حكاية حزينة عن غرائب الأسماء

حكاية حزينة عن غرائب الأسماء

محمد بركة

من المفارقات الغريبة في حياة أمي: موضوع “ أم طارق “ ، فعندما رزقها الله بمولود ذكر، أراد أبى أن يجامل جدي الذي كان متولياً مصاريف الحمل والولادة بالكامل وقرر إطلاق اسمه على أول ذريته.

“ يا شيخ حرام عليك! عيل في اللفة يبقى اسمه معوض.. ؟ أنت عاوز تنحسه من أولها.. الولد ده اسمه طارق..“

تلا جدي هذه العبارة على مسامع أبى بثقة وهدوء. وبالطبع أصبح الجميع ينادى أمي بـ ”أم طارق“. المشكلة بدأت حين توفى طارق وكنت أنا بدوري في اللفة. مرت السنوات ولا يزال الجميع مخلصاً للقب الأول وأصبح من العادي أن يناديني أحدهم:

إزيك يا طارق..

دون أن يعرف – أو تعرف – أن اسمي محمد .

وحين رزقت أمي بمولود جديد، الثالث على مستوى الذكور والخامس والأخير على مستوى الجنسين، قال جدي وهو على فراش – أو بالأحرى ناموسية – الموت:

سموه طارق على اسم اللي راح…

هكذا أصبح لدينا ”2 طـارق“: طـارق الكبير وطـارق الصغير على غرار العائلات الارستقراطية فى الأفلام الأمريكية والتي لديها ”2 جاك“ Jonior و Senior. طارق ”الصغير“ الذي لا أتذكره إلا في كادرات غائمة وبعيدة، منحنى إحساساً هائلاً بالأهمية. كان أبى قبل سفره لا يجلس ثانية واحدة في البيت ولا أكاد أراه إلا وهو يستعد للخروج أو يأوي إلى النوم. وكلما سألته:

ـ أنت خارج يا بابا؟

ـ يجيب دون أن يلتف ناحيتي بجملة واحدة لا تتغير:

راجع حالا

ولأننا شعب يخاف ميختشيش نتلقى القمع ممن هم أعلى ونصدره لمن هم أسفل، كان طارق كطفل أنهى تواً مرحلة الحبو، يتوق إلى مصاحبتي بالخارج ويتعلق بذيل بيجامتى الكستور كلما رآني أهم بمغادرة البيت، فأنهره بجملة واحدة لا تتغير قائلاً دون أن ألتفت ناحيته:

– خليك هنا يا طارق… أنا راجع !

جدي كان يريد لأمي فعلاً أن تنسى ألم فراقها لطارق الكبير بطارق آخر صغير. وكأنما استفزت هذه الترتيبات العاطفية ملك الموت فكان له رأى آخر…

أذكر أنه كان يوم الحلوى الحمصية والحلوى الفولية والفارس الذي يمتطى جواداً من مادة وردية رقيقة ، حلوة المذاق وقابلة للكسر، بجواره العروسة ذات الابتسامة اليابانية والتي تشبه فتيات الجيشا ومصنوعة من نفس المادة. وحين تحلقوا في الاحتفال بمناسبة ذكري المولد النبي حول الطبلية العامرة بديك رومي ، لاحظوا اختفاء طارق. كان الحر معجباً بفتوته. التراب يلسع الأقدام الحافية والترعة ارتفع منسوب الماء الأخضر فيها حتى كاد يفيض على الطريق والناس أغلقت عليها بيوتها، فاليوم تتذكر السماء رعايا الجوع والبلهارسيا، فتمنح الأولاد حصاناً والبنات عروسة والكبار ورك بطة أو صدر إوزة، كما كانت كريمة في كمية الزبد الأبيض المتجمعة حول جثة أخي في الترعة وقد بدت الآن منتفخة قليلاً…

أمى قالت: معدلناش قعاد فى العزبة دى.

وأبى عاد فى نفس الأسبوع من بلاد الغربة وقال:

اللى تشوفيه

دون أن يخفى سخطه على صديق عمره – الأستاذ عباس– الذي أحرق أعصابه في خطاب أرسله إليه محملاً بعبارات يستعرض فيها قدراته البلاغية من نوع:

نحسبك صبوراً ولا نزكى على الله أحداً

وبشِّر الصابرين

وتمنى أن لو كان قد ألقى إليه خبر غرق ابنه بمياه الترعة في هدوء وبساطة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com