إثم المكابرة السياسية

إثم المكابرة السياسية

يوسف ضمرة

يمكن القول بطمأنينة عالية، إن الخطوط التي كانت تفصل السياسيين الفرنسيين من قبل، قد امّحت في العقدين الأخيرين، وربما بدأ ذلك في العقد الأخير من القرن الفائت. لم نعد نلمس فرقا في السياسة الخارجية بين اليمين والوسط والاشتراكيين. اليسار الفرنسي الذي كان قاب قوسين من تسلم السلطة في السبعينات؛ ثورة الطلبة في أواخر الستينات؛ هذا كله لم يثمر شيئا مما كان يحلم به الفرنسيون. لا أحد في مقدوره مصادرة آراء الفرنسيين أو سواهم، لكن، لا أحد أيضا في مقدوره أن يقنعنا أن فرنسا اليوم هي ذاتها قبل عقود.

من الطبيعي أن يقف العالم كله على ساق واحدة، جراء الهجوم الذي استهدف صحيفة وصحافيين فرنسيين. وهو على الرغم من أنه كان متوقعا من قبل الفرنسيين أنفسهم ومن قبل غيرهم، إلا أن الهدف كان مفاجئا! ففرنسا متورطة عسكريا في مناطق عدة حول العالم. وهي تحاول قدر استطاعتها الحفاظ على ما تبقى من إرث استعماري قديم، تأكله النيران الأمريكية بشراهة. حتى الاشتراكيون الفرنسيون ضربتهم حمى الكولونيالية القديمة، فالتحقوا بحماقة السياسة. فلا أحد في فرنسا أو في غيرها قادر على إقناعنا أن قلب السياسة الفرنسية منفطر جراء مأساة السوريين، وقد كان الأولى والأجدر، أن تمنع فرنسا مجازر الهوتو والتوتسي في رواندا، التي ذهب ضحيتها أكثر من مليوني إنسان! كان ذلك أكبر عار لطخ وجه البشرية منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية. ووقفت فرنسا تتفرج على تلك المذابح، وتغذيها مع أوروبا المريضة ـ بلجيكا مثلا ـ ولعل كولن باول كان مهذبا حين وصفها إبان التحضير لغزو العراق بأوروبا العجوز.

يقف الفرنسيون اليوم أمام صدمة ربما توقعوها، لكن التجسيد والمشهدية يفوقان التوقعات دائما. وربما كان كل يوم يمر بسلام على الفرنسيين، كان يُقصي المشهد بعيدا إلى أقاصي المخيلة الفردية والجمعية. وقد اختلفت الحال اليوم تماما. فما كان متوقعا أصبح حقيقة ملموسة، وسقط ضحايا أبرياء. ولا يحق للفرنسيين أو غيرهم تحميل تبعات هذه المأساة لغيرهم، حتى لو كانوا من عتاة التكفيريين.

ففرنسا قبل سواها من دول العالم، سهّلت مرور ”المجاهدين“ إلى سوريا. وفرنسا لعبت دورا أساسيا من قبل في قتل أكثر من 200 ألف ليبي بريء، حين محت الطائرات الفرنسية أحياء كاملة في سرت وطرابلس وغيرهما، بحجة القضاء على الطاغية القذافي. وفرنسا ترسل جنودها إلى مالي وأفريقيا الوسطى، وتقرر إرسال المزيد إلى ليبيا هذه المرة. فإلى أين؟ ولماذا؟ كان على المواطن الفرنسي أن يتساءل عن بلادة السياسة الفرنسية إزاء المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين؛ فثلاثة اعتداءات دموية على غزة وأهلها خلال 3 سنوات، وسقوط آلاف الضحايا الأبرياء، وتدمير عشرات الآلاف من المنازل، وتشريد مئات الآلاف من البشر في العراء، والتسبب في آلاف الإعاقات، والقضاء على فسحة الأمل في حياة أقل من الحياة؛ هذا كله لم يثن السياسة الفرنسية بألوانها الشكلية، عن دعم “ دولة يهودية “ عنصرية. بل هو لم يحرك مشاعر هذه السياسة، أو ”شِرش الحياء“ على الأقل، لإدانة تلك الجرائم. وعليه، فإن مقولة الوقوف مع حرية السوريين وحقوقهم، هي كذبة مفضوحة وسمجة، لا تنطلي على أي هاو سياسي.

الفرنسيون اليوم، مطالبون بالتفكير في الأسباب التي أدت إلى سقوط أبرياء. وعليهم أن يدركوا أن الوحش التكفيري الذي رعوه سياسيا وماديا، لا يفرق بين لون وآخر، وبن دين وآخر، وبين عرق وآخر. وإذا ما اعتقد الساسة الفرنسيون أنهم قادرون على توظيف هذا الوحش لتحقيق أهدافهم الإمبريالية، فإن على الفرنسيين أن يقولوا لا. فلم يكن هنتنغتون سوى منظّر لحروب أمريكا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. ولم تكن الحضارات أو الثقافات لتتصارع لو لم يكن هنالك من يرغب في أن تصل مخالبه إلى أبعد حبة قمح في الكون.

المطلوب من الفرنسيين وقفة تأمل.. إعادة حسابات.. فك ارتباط مع الوحش الإمبريالي الأعمى، الذي عرض صورة شاحنة في مجلس الأمن، لأجل قتل أكثر من مليون عراقي، وتشريد ملايين أخرى.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة