إيران في مواجهة العالم

إيران في مواجهة العالم

تاج الدين عبد الحق

بعد أن بقي الخلاف، حول الاتفاق النووي محصورًا بين طهران وواشنطن، يدفع التصعيد الجديد بشأن نسبة التخصيب المسموح بها، الإيرانيين، إلى مواجهة مع العالم، بمن فيهم من تعتبرهم طهران، من القوى الحليفة والصديقة لها كروسيا والصين، فضلًا عن الاتحاد الأوروبي الذي ظل يمسك العصا من الوسط، حتى بعد خروج ترامب من الاتفاق النووي، على أمل الوصول إلى مخرج يعيد الاحترام للاتفاق، وإلى صيغة مرضية لجميع الأطراف.

إيران التي اعتبرت الاتفاق النووي عند التوصل إليه، انتصارًا لها، وخشبة الخلاص من عقوبات أرهقت اقتصادها، وهددت استقرارها السياسي والاجتماعي، ليس أمامها- الآن- ، من طريقة للإفلات من العقوبات الأمريكية الجديدة، غير العودة للاتفاق كورقة مساومة، في مواجهة ضغوط قاسية من أبرز مظاهرها، إيقاف معظم صادراتها النفطية.

الإيرانيون يدركون أن خرق الاتفاق النووي من قبلهم عن طريق زيادة نسب التخصيب، لن يغير واقع العقوبات، ولن يكون سببًا في تراجع واشنطن عن موقفها، ولا يمثل عمليًا، تهديدًا فوريًا تتحسب له الولايات المتحدة أو تخشى من تبعاته، وكل ما تفعله طهران برفع مستوى التخصيب، هو ملء الفراغ الدبلوماسي، والخروج من العزلة، بحيث تبقى قضية العقوبات الأمريكية حاضرة في الاتصالات الدبلوماسية والمحافل الدولية.

اختيار رفع نسبة التخصيب من قبل إيران كورقة مناورة، لا يعني أن إيران جادة، أو قادرة على إطلاق برنامجها النووي المحظور من جديد، وكل ما تسعى له، هو الدخول في جولة تفاوض جديدة عنوانها نظريًا مستويات تخصيب اليورانيوم، فيما تسعى عمليًا، لمراجعة الاتفاق وصولًا إلى توافق مقبول على شروط يمكن أن ترضي الإدارة الأمريكية، وتجعلها تتخلى عن العقوبات أو تخفف منها.

وما تقوله طهران للدول الأوروبية وروسيا التي كانت شريكة في الاتفاق النووي الذي ألغته إدارة الرئيس ترامب، لا يهدف عمليًا إلى حمل هذه الدول على التضامن مع طهران، أو التصدي للعقوبات الأمريكية الجديدة. فإيران تعلم قبل غيرها، أن هذه الدول الغربية لا تستطيع، أو لا ترغب في الدخول في مواجهة مع واشنطن كرمى لعين طهران، وأقصى ما يمكن أن تقوم به، هو السعي، لتخفيف الشروط التي قد تشترطها إدارة الرئيس ترامب للعودة إلى الاتفاق، وطبيعة ونوعية البنود التي يتعين تضمينها لأي اتفاق جديد.

فرص إيران في مناورتها السياسية الهادفة للخروج من نفق العقوبات، ليست كبيرة، إلا إذا كانت مستعدة لتقديم إغراء كبير للرئيس ترامب؛ لإعادة النظر في موقفه، أو التخفيف منه على الأقل. ومثل هذا الاحتمال، هو اختيار انتحاري، فهو يعني تقليم أظافر إيران في الإقليم، وفتح الباب أمام رقابة على برنامج تسليحها الصاروخي ومنظومتها الدفاعية، والتي تشكل في مجموعها صورة إيران في الداخل، ودورها المقلق في الخارج.

قرار إيران برفع نسبة التخصيب قد يكون له صدى إعلامي، أكبر من تأثيره العملي، فهو لا يبدو في ظل أجواء الحصار الخانق الذي تعيشه طهران حاليًا، قادرًا على استعادة الزخم السابق لقضية التخصيب، والتي كانت وراء تداعي القوى الكبرى، ودول الإقليم للتعامل معها، كتهديد جدي، ينذر بامتلاك إيران لسلاح نووي، وهو اليوم ليس أكثر من استعراض سياسي للقوة، هدفه الأول وربما الأخير التمهيد لتفاوض لا على البرنامج النووي، بل على مجمل العلاقة التي تربط إيران بالإقليم والعالم.

وستكون الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، والتي بدأ التحضير لها منذ الآن، من بين العوامل التي تحدد مسار التفاوض مع طهران.

فإيران من جانبها تعتقد أن لديها فرصة للعمل مع إدارة أمريكية مختلفة إن فشل الرئيس ترامب في الحصول على دورة رئاسية ثانية، ولذلك فهي تتريث في تقديم أي تنازلات من شأنها تقوية الحظوظ الانتخابية للرئيس الأمريكي، بما يسمح له بتصليب موقفه من العقوبات، أو ممارسة مزيدٍ من الضغوط.

أما الرئيس ترامب فإنه يأمل أن يوظف، انتخابيًا، نجاح الضغوط الأمريكية الحالية، حيث سيكون لديه عندها ما يفاخر به أمام ناخبيه، بالقول إنه كان على حق وهو يعلن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com