الجزائر بين نجدة الجار وحماية الدار

الجزائر بين نجدة الجار وحماية الدار

المصدر: تاج الدين عبد الحق

يُذكر الموقف الذي تتخذه الجزائر إزاء الوضع في ليبيا، بالموقف الذي كان الرئيس السوري بشارالأسد يتخذه من العراق، إبان الاحتلال الأمريكي. فبذريعة مقاومة الاحتلال الأمريكي، ورغبة في احتواء خطر المتطرفين، وإبعادهم أو تدجينهم وتوظيفهم في خدمة نظامه، دعم الرئيس الأسد المجموعات المسلحة، التي كانت تعبر الحدود من العراق إلى سوريا وبالعكس، رغم شكوى القيادات العراقية في ذلك الوقت، وشكوى المجتمع الدولي من مخاطر دعم المجموعات المتطرفة، ومخاطره المحتملة على سوريا قبل غيرها من دول الإقليم.

طبعا هدف النظام السوري في ذلك الوقت لم يكن في حقيقته مقاومة الاحتلال الأمريكي، بقدر ما كان يهدف للبحث عن دور، وقبض ثمن سياسي لما كانت تطالبه به الولايات المتحدة. ونحن نعلم في هذا الصدد التحذيرات التي وجهتها الإدارة الأمريكية للنظام السوري في ذلك الوقت، ونعلم ما تضمنته القائمة الطويلة التي كان يحملها الدبلوماسيون الأمريكيون معهم، في كل زيارة من زياراتهم الكثيرة لدمشق. اليوم يتكرر المشهد في الجزائر، ولكن بعناوين مختلفة ومسميات أخرى. فالجزائر تتنطح للأزمة الليبية، على أساس أنها تملك الوصفة السحرية للحل، وتملك القدرة على جمع الأطراف المتصارعة، رغم أنها لم تنجح في إقناع أحد، خلال ثلاث سنوات من الحرب الأهلية، والمساعي الإقليمية والدولية.

الجزائر تخطئ إن هي ظنت أنها قادرة على تسويق هذه البراءة السياسية، وأن همها هو الوصول إلى حل بأقل الأثمان، وأقل الخسائر، وبما يرضي كافة الأطراف. فالكل يعلم أن للجزائر غرضا آخر وأجندة أخرى، تحاول التمويه عليها، من خلال طرح لا يقبله حتى السذج من الناس، ناهيك عن السياسيين.

فالجزائر التي اكتوت بنار الإرهاب قبل غيرها من الدول العربية، والتي دفعت ثمنا له أكثر مما دفعت في حرب التحرير، تعلم أن الحوار مع الجماعات المتطرفة أشبه بالحراثة في البحر، وأشبه بحوار الطرشان. ولو كانت له نتيجة لما ظل أصبعها على الزناد، في مواجهة القوى المتطرفة إلى الآن.

عندما تقف الجزائر وحيدة في التمسك بفكرة الحوار، الذي لم تنجح حتى الأمم المتحدة في ترتيبه، ندرك بسهوله أن الأمر أبعد من مسعى دبلوماسي وأكثر من نخوة مواجهة محنة جار. وأي محاولة لإخفاء الدوافع الحقيقية للوساطة، ستكون أقرب لمحاولة تغطية الوجه بغربال واسع الثقوب.

الجزائر ببساطة لها أهداف داخلية وخارجية تسعى لتحقيقها من خلال ليبيا، فهي تبحث عن دور إقليمي فقدته طويلا بسبب أوضاع سياسية، وأمنية ظللت المشهد الجزائري طويلا، وبسبب خلافات مع الجيران.

الجزائر أيضا تريد من خلال موقفها الممالئ، لتيارات الإسلام السياسي في دول الجوار، الإبقاء على حالة الهدوء الحذر التي أنتجها برنامج الوئام الوطني الجزائري، الذي ساعد بوتفليقة على الاحتفاظ بالسلطة، وساعد أجهزته الأمنية على إحكام سيطرتها على مفاصل الحياة الجزائرية.

والنظام الجزائري يعلم قبل غيره أن أي موقف ناضج من الجماعات المتطرفة في دول الجوار سيرتد عليها، ويفجر ما هو تحت رماد الحرب الأهلية الطويلة، التي خاضها الجزائريون، والتي لا يزالون يخشون من عودتها في أي وقت.

الجزائر تريد أيضا جيرانا طيعين، توظفهم عند الاقتضاء في حساباتها وخلافاتها الإقليمية، كما أنها تريد استثمار مخاوف المجتمع الدولي مما يحدث في ليبيا، للحصول على دور قبل أن ترفع من التداول اعتراضاتها على عمل عربي أو دولي، قادر على حسم الفوضى ومنع تحول ليبيا إلى بؤرة لتفريخ العنف والإرهاب.

خطورة الموقف الجزائري من الأزمة الليبية، أنه لا يعطل جهود المعالجة فقط، بل إنه يشجع القوى المتطرفة على التمسك بمواقفها ونهجها، ما دامت ترى حولها من يتعامل معها على أنها طرف له حقوق سياسية، حتى لو انتزعت هذه الحقوق بقوة السلاح وغلبته.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com