اقتفاء آثار الموتى!

اقتفاء آثار الموتى!

عائشة سلطان

في أحد الأفلام الأمريكية تمتلك فتاة قدرة عجيبة في التنبوء بالحوادث المرعبة، فهي تراها كما ستحدث بالضبط، ذات صباح كانت في المطارتستعد للسفر مع والدتها، فإذا بها ترى الطائرة والركاب وترى الحادث المرعب الذي ستتعرض له، وحين تنتبه تحكي لوالدتها لتمنع الكارثة لكن والدتها تعجز عن فعل أي شيئ، وبالفعل تتحطم الطائرة أمامهما كما روت تلك الطفلة في المكان والوقت المحددين، تذكرت الفيلم بينما العالم كله يتابع مسلسل اختفاء الطائرات التي كان آخرها أختفاء الماليزية وتحطم الأندونيسية في مياه المحيط.

لقد ظل العالم كله لأيام طويلة يتابع أخبار الطائرة الماليزية التي شكل حادث اختفائها لغزا حقيقيا تحول الى هوس إخباري ، أجهزة استخبارات وطائرات ومحللين وخبراء ظلوا يقتفون أثر الطائرة لأيام طويلة ، مع سيل من الفرضيات والاحتمالات لم يتوقف ، إلى أن وصلت آخر الاخبار على لسان الحكومة الماليزية التي أكدت خبر العثور على حطام الطائرة التي انتهت وجميع ركابها في أعماق المحيط الهندي!

خبر قصير جاء على شكل رسالة نصية تلقتها هواتف تعود لأسر 239 ضحية من ضحايا الطائرة المنكوبة ، ما يعني 239 مأساة في منازل وعائلات متفرقة في العديد من الدول والمدن ، المأساة بحد ذاتها حالة من الغرائبية والبكاء والحزن اختصرها خبر قصير جدا ، متشابه وبارد جدا ، ما يستدعي مشهد عشرات الأمهات والأبناء والزوجات والآباء والأصدقاء الذين ظلوا معلقين بين الكلمات وشفاه المذيعين والمذيعات بأمل زائف ووهمي لكنه كان بالنسبة لهم أرحم كثيرا من الحقيقة القاتلة.

وعلى مدى تاريخ وسائل النقل ظلت الحوادث المفجعة خبرا ملازما ، كخبر تحطم طائرة الخطوط الجوية اليابانية عام 1985 في رحلة من العاصمة طوكيو الى مدينة اوساكا ما ادى لوفاة 515 راكبا بسبب عطل مفاجئ، وكتحطم طائرة الخطوط الجوية الهندية في رحلتها من كندا الى نيودلهي والتي لم تكملها وتحطت فوق ايرلندا بسبب قنبلة زرعت بداخلها ما ادى لوفاة 287 راكبا على متنها عام 1985، واحتراق طائرة الكونكورد الفرنسية عام 2000 في سماء باريس مخلفة 110 ركاب ، وتلك الحادثة المرعبة التي راح ضحيتها 237 راكبا اثناء جولة لطائرة الخطوط الجوية النيوزلندية لاستكشاف القارة القطبية الجنوبية لكن خطأ ساذجا من الطيار ادى لاصدامه برأس الجبل وتحطم الطائرة عام 1979 ..

خلف كل كارثة جوية هناك عشرات القصص والفجائع ، وفي الوقت الذي يتحول فيه الحادث الى مجرد خبر وحياة الركاب الى قصة موت عابر سرعان ما ينساها الناس، يكون هناك آخرون قد تغيرت حياتهم بمقدار 180 درجة ، يصير هناك ارامل وأيتام وأصدقاء منكوبون وأمهات ثكالى مأساتهم لا تكمن في رحيل أحبتهم ولكن في رحيل قلوبهم مع أولئك الراحلين .

إن متابعة مثل هذه الكوارث وتسقط أخبار الطائرات التي تختفي والتي تسقط في أماكن مجهولة تشبه اقتفاء آثار الموتى ، اؤلئك الذين رحلوا عن الدنيا في لحظة موت لا يمكننا تخيل مقدار رعبها ، لا تختفي طائرة في الفضاء ولا تتبخر حتما ، ان مواجهة حقيقة الموت تبدو صعبة في كل الأوقات والظروف ، لكننا مهما تحايلنا في اخفائها أو تأجيلها فإنها ستطفو أخيرا على سطح المحيط .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com