الوساطة الإثيوبية في السودان إلى أين ؟

الوساطة الإثيوبية في السودان إلى أين ؟

تاج الدين عبدالحق

أقصى ما يمكن أن تنجح به الوساطة الإثيوبية، في السودان هو إقناع طرفي الأزمة، بالعودة إلى الحوار، الذي انقطع مع الفض الدموي لاعتصام المدنيين أمام وزارة الدفاع في الخرطوم، خلال شهر رمضان المبارك، والذي أوقع عشرات القتلى والجرحى بين صفوفهم.

وتحقيق مثل هذا النجاح على تواضعه، بالقياس إلى حجم الاستحقاقات، التي يحتاجها حل سياسي ناجع للأزمة، لايقلل من قيمة المسعى الإثيوبي، فالعودة إلى الحوار هي الطريق الوحيد الممكن، بعد أن استعصى على العسكريين فرض حل بالقوة، وبعد أن تفاقمت شكوك المدنيين، واتسعت فجوة الثقة بينهم والمؤسسة العسكرية.

الوساطة الإثيوبية، نجحت إلى الآن في حمل المجلس العسكري على إدانة فض الاعتصام بالقوة، وفي تحديد العناصر المسؤولة عن قتل المتظاهرين، والتعهد بتقديمهم للمحاكمة وتوقيع القصاص العادل بحقهم.

هذه الخطوة تحمل دلالة سياسية، فهي تعني ضمنًا تعهدًا من العسكر بأنهم لن يلجأوا للقوة مرة أخرى في التعامل مع المتظاهرين، أو مع أي تداعيات متصلة بالأزمة الحالية. وهي تعني أيضًا أن خيار المؤسسة العسكرية الوحيد بات هو الحوار والحل السياسي، بمعنى التخلي على نحو أو آخر عن الدور التقليدي، الذي لعبته المؤسسة العسكرية السودانية، في المحطات السياسية الحاسمة، منذ الاستقلال وحتى الآن، والذي تمثل في كونها، المخرج الأخير الذي يفرض نفسه عندما تستعصي الحلول.

ويذكر هنا، أنه في المرات القليلة التي تسلم فيها المدنيون السلطة من العسكريين، كان التسليم والاستلام، وانتقال السلطة للمدنيين طوعيًا، ولم تسجل في أي مرة من تلك المرات مثل هذه الحصيلة الدموية التي أتت على البقية الباقية من الثقة بالجيش، والتي تجعل الاتفاق معه لاقتسام السلطة في المرحلة الانتقالية عملية صعبة ومعقدة.

ولعلنا نستذكر هنا تجربتين، هما تجربة الرئيس الراحل عبد الرحمن سوار الذهب الذي تولى الحكم بعد انقلاب أطاح بالرئيس الأسبق جعفر نميري، قبل أن يسلم السلطة طوعًا،- في سابقة لا تزال تذكر له إلى اليوم -، لحكومة مدنية منتخبة برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله، وهي التجربة التي كانت بداية لحكم مدني قصير، من أبرز رموزه أحمد المرغيني، والصادق المهدي.

أما التجربة الثانية، فهي تجربة الرئيس السابق عمر البشير الذي قاد انقلابًا عسكريًا في العام 1989، وأطاح بحكومة الصادق المهدي المدنية، إذ تحالف البشير في ذلك الوقت مع قوى سياسية إسلامية من أبرز رموزها الدكتور حسن الترابي، قبل أن ينفرد لاحقًا بالسلطة، مقزمًا كل القوى السياسية التي تحالف معها أو قربها بعض الوقت، عبر سياسة ممنهجة من الترغيب والترهيب، استمرت سنوات طويلة، ومكنته من حكم البلاد فيما بعد 30 عامًا متوالية.

المعارضة السودانية، وهي تتفاوض مع المجلس العسكري، تستحضر التجربتين، فلا هي تريد صيغة غير ناضجة، أو غير كاملة لاستلام السلطة، ولا هي تريد شراكة غير واضحة، مع العسكريين الذين قد يأتي وقت يستغلونه للانفراد بالسلطة على وقع الأزمات اليومية الكثيرة، والتي قد يحمل المدنيون مسؤوليتها كما فعل ذلك الرئيس السابق عمر البشير، وهو يبرر انفراده بالسلطة، ويقنن إبعاد المدنيين عنها.

إلى ذلك فإن قوى المعارضة المدنية، غير جاهزة الآن لاستلام السلطة، فهذه القوى التي تشترك في الساحات والميادين، تختلف في الرؤى والتوجهات، فضلًا عن أنها قد تتنافس في مرحلة تالية على اقتسام الحصص والمواقع.

ولذلك فإن تلك القوى، تريد فترة انتقالية أطول من الفترة التي يعرضها المجلس العسكري. فهي تريد فترة انتقالية تصل إلى أربع أو ثلاث سنوات تتمكن فيها القوى السياسية المختلفة من التحول من قوى تتحرك بقوة الشارع، إلى قوى تحرك الشارع عبر برامج سياسية وحزبية. وتعتبر القوى المدنية أن فترة انتقالية قصيرة من شأنها إحراجها أمام جماهيرها وإفشالها، فضلًا عن أنها غير كافية لاستكمال البنية التشريعية والسياسية اللازمة لحكم مدني مستدام.

ما يحدث في السودان حاليًا، والاستعصاء الذي تواجهه العملية السياسية هناك، هو نتاج إرث طويل ومعقد. فالمؤسسة العسكرية تعمل على استعادة ثقة ومصداقية ثلّمتها الأنظمة العسكرية المتعاقبة، والمعارضة المدنية تحاول لملمة نفسها حول مشروع وطني جامع بعيدًا عن المزايدات والتنظير الذي قد يطيح بحلم الحرية، ويجهض فرصة التغيير.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com