ما بعد الصحوة الإسلامية

ما بعد الصحوة الإسلامية

تاج الدين عبد الحق

يعتقد عرابو التطرف، أن ما تقوم به المنظمات المسلحة، هو انتصار للدين، أو انتصار للمذهب، لكنهم مخطئون في هذه وفي تلك. وما يحدث في العراق والشام، وإمتدادا في ليبيا ومن قبل في الصومال، وغيرها من الدول العربية والإسلامية التي أصابتها عدوى التطرف الفكري والمذهبي، خير شاهد على ذلك، ومثال حي على فشل هذا المشروع، ودليل إفلاس لنهجه التكفيري. كما أنه بمثابة فصل الختام لما اصطلح عليه منظرو هذا المشروع، بالصحوة الإسلامية.

إرهاصات هذا التحول، بدأت بالإنفضاض التدريجي، من حول الجماعات التي جعلت من الدين سلعة تبيعها، أو وسيلة تستقوي بها وبتنا نشهد روحا نقدية متزايدة، إزاء كل ما كان يعتبره البعض خطوطا حمراء، لايجوز تجاوزها أو تخطيها، وإزاء أشخاص ورموز أضفت على نفسها هالة مزيفة وشكلا خادعا، تتستر به، لتسويق خطاب تافه، وإجترار كلام أجوف، واختلاق أحاديث وقصص كاذبة تحكم بها سيطرتها على عقول العامة، وترهب بها قلوبهم، وتسوقهم كالنعاج، إلى مذبح الإرهاب وميادينه.

المشروع الإرهابي لتنظيمات الإسلام السياسي، يوشك على الأفول، بالرغم من مظاهر القوة التي يحاول إشاعتها من خلال عمليات القتل والذبح، وهوكالديك الذبيح الذي ”يعدو فيغلبه العياء فيرتمي ويكاد يظفر بالحياة فتهرب“.

أفول المشروع الإرهابي الذي حاول البعض تجميله وتسويقه على أنه صحوة إسلامية، لن يتوقف عند الهزيمة العسكرية في ميدان القتال، فهذه الهزيمة المنتظرة هي الفصل الأول في مسلسل لا يتوقف عند دحر آلة الإرهاب، بل ملاحقة خطوط إمداده الفكرية واللوجستية والتنظيمية، التي شكلت منظومة عمل متكاملة سهلت ويسرت صعود نجم التنظيمات الإسلامية السياسية، وأعطتها وهجا ودورا لفترة طويلة من الزمن.

لكن الذين تابعوا مسيرة ما يعرف بالصحوة الإسلامية، لا بد أنهم يذكرون أن تلك الصحوة لم تبدأ بالعمل العسكري، أوبالدعوة للجهاد، بل بدعوات إصلاحية مضللة، فسرت الدين تفسيرا ضيقا، وحصرته في إطار الاهتمام بالمظهر لا الجوهر، والتمسك بالنص المنقول، والابتعاد عن الإجتهاد المعقول.

فاستغل هؤلاء الطبيعة المتدينة لمعظم الناس، ليجعلوا من القضايا الهامشية سبيلهم للسيطرة على المجتمعات الإسلامية، وطبعها بطابعهم الضيق الذي يجعل من الحجاب والنقاب، أساسا للدين، والدشداشة القصيرة، واللحية الكثيفة، والشعر الأشعث، جواز السفر إلى الإيمان والسبيل إلى الخلاص، حتى إذا ما تم لهم ذلك، وانتشرت مظاهر التشدد والمغالاة في كل مفاصل الحياة الاجتماعية، انتقلوا إلى المرحلة التالية التي شهدت تجنيد الأنصار وحشدهم، والاندفاع لتكفير المخالفين وقتلهم. وتقسيمهم حسب المذهب أو الطائفة، ودفعهم للاقتتال والحرب تحت مسميات تافهة، أو بسبب دسائس مسمومة، أو أحقاد تاريخية متوارثة.

وهذا التطور هو الذي يفسر مدى الخسارة البشرية، والمادية التي لحقت بالعالم الإسلامي جراء موجة التطرف بمراحلها المختلفة ومسمياتها المتعددة. فالذين التحقوا بهذه الموجة رغبة في الاصلاح، وغيرة على الدين، وجدوا أنفسهم بدون وعي، وبدافع مصالح أنانية وارتباطات حزبية، في أتون حرب يشعلها المسلمون، ويمولونها ويدفعون ثمنها وكلفتها، بل ويكونون أول، وأكبر ضحاياها.

ومع تزايد الثمن الذي تدفعه الشعوب الإسلامية، وتحسن الوعي بخطر المليشيات والتنظيمات الحزبية والسياسية التي تتخذ من الإسلام ستارا، يتسع نطاق ومدى المواجهة مع تلك التنظيمات. حيث لم تعد المواجهة بالشكل التقليدي كافية ولا قادرة، وأصبح النجاح في تلك الحرب، مرتبطا بتنوع الاساليب، وجرأة الطرح، وعمق المعالجة.

فالخلافات الفكرية والمذهبية التي اشعلتها تنظيمات الإسلام السياسي لم تكن خلافات نظرية مجردة، إذ كانت لها تطبيقات اجتماعية واقتصادية مسيطرة، ولم يكن مسموحا في مرحلة ما عرف بالصحوة، بأي نقد لتلك التطبيقات أو مناقشة لمدى مشروعيتها، وكانت تفرض على الناس كما لو أنها كتاب منزل أو وحي يوحى.

ولعل المناقشة حول النقاب ومشروعيته بعد جريمة جزيرة الريم بأبوظبي، يعد مثلا قريبا من الأمثلة التي تفسر مدى نجاح التنظيمات بفرض رؤيتها الفكرية وتفسيرها الفقهي. فقد عكست تلك المناقشة مدى الحذر والتردد الذي ينتابنا، في أي مناقشة حول ما علق بالممارسة الدينية اليومية من تشوهات، وما رافقها من مزايدات وزيادات، فأخذ النقاش عند البعض، طابعا تصالحيا دار حول الكيفية التي يتم بها توفيق الأوضاع مع النقاب، ومعالجة النتائج الأمنية التي تترتب على ارتدائه دون المساس به، أو الانتقاص من مشروعيته باعتباره من المسلمات غير القابلة للنقاش، وأصل ثابت من أصول الدين.

النقاش حول ارتداء النقاب أو عدم ارتدائه، يفتح الباب لمناقشة إرث كامل، وأشكال من التطبيقات التي أفرزتها ”الصحوة الإسلامية“ ويكشف حدود ومدى المواجهة المنتظرة مع التيارات المتطرفة. حول كل تفصيل من تفاصيل حياتنا الاجتماعية والاقتصادية، التي أصبح الخلاف حولها سببا للتكفير أو مبررا للقتل.

النقاش حول النقاب بداية تكشف أن مشوارنا مع الإرهاب والتطرف لن يكون سهلا، وأن الانعتاق منه يتطلب جهدا كما يتطلب وقتا، فالإنقلاب الذي أحدثته ”الصحوة“ في حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا السياسية بحاجة إلى ثورة لتصحيح المفاهيم وربطها بالمعقول لا المنقول.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com