حكومة السراج.. شرعية يلوثها الإرهاب

حكومة السراج.. شرعية يلوثها الإرهاب

تاج الدين عبدالحق

يجد كثيرون في حكومة السراج (المعترف بها دوليًّا) مفارقة لافتة. فهي من جانب تستقوي بالاعتراف الدولي الذي نتج عن اتفاق الصخيرات بالمغرب الذي توصلت إليه الفصائل الليبية المختلفة، وهي من جانب آخر تستقوي بالميليشيات المسلحة الخارجة على الشرعية الدولية، والتي تستبيح العاصمة طرابلس، وتقسمها إلى مناطق نفوذ خاصة بها، ومربعات أمنية تسيطر عليها.

هذه المفارقة تحتاج اليوم، إلى مراجعة، وإلى إعادة نظر، وبالتحديد في علاقة الأمم المتحدة بالأزمة الليبية، وفي الطريقة التي تتعامل بها مع مختلف الأفرقاء. إذ لا يعقل أن تكون المنظمة الدولية، الحكم والخصم في آن، وأن تكون مظلة للشرعية التي تمثلها حكومة السراج، والتي هي عمليًّا وفي الواقع، غطاء لمنظمات إرهابية وجماعات مسلحة تشيع الدمار والخراب في العاصمة الليبية وتقف حجر عثرة في طريق إنجاز مصالحة وطنية حقيقية بين الليبيين.

الذين يتحدثون عن اتفاق الصخيرات، وعن الاعتراف الدولي ”كنص منزل لا يجوز تجاوزه، أو تغييره، في أي مقاربة للأزمة الليبية، يتجاهلون أن ذلك الاتفاق صاغته نوايا حسنة، لم تكن تدرك مدى تغول التنظيمات المسلحة في الساحة الليبية، ومدى سطوتها على مقدرات الشعب الليبي وحرياته وأمنه“.

كان الاتفاق استنساخًا لوصفة دولية معروفة ومجربة في نزاعات أهلية أخرى، وكان يستهدف احتواء التنظيمات المسلحة التي تورطت في الحرب الأهلية الليبية، وإعادة تأهيلها ودمجها ضمن النسيج الوطني، وقطع صلاتها المعروفة وغير المعروفة بالقوى الخارجية التي تتربص بالبلاد.

لكن حسابات الحقل لم تتوافق مع حسابات البيدر. فما حدث بعد ذلك أن التنظيمات وجدت في الاتفاق فرصة للإفلات من شبح عقوبات وملاحقات كانت تنتظرها، وقبلت الانحناء للعاصفة مؤقتًا، والقبول بالانضواء تحت عباءة حكومة السراج التي جاءت نتيجة لذلك الاتفاق، وبدل أن تتحول هذه الحكومة إلى بوتقة لصهر الخلافات بين الفصائل المسلحة، تحولت بوعي أو دون وعي، إلى أداة سياسية شرعنت الدور الذي تقوم به تلك الفصائل ووفرت لها الغطاء، الذي مكنها من بناء جسور مع من كان يساندها في الخارج من الدول التي وجدت في ليبيا ساحة من ساحات تصفية حساباتها وخلافاتها في الإقليم.

ونظرة إلى خريطة العاصمة طرابلس، وإلى دوائر النفوذ فيها، وأسلوب تقاسمها، تظهر بوضوح أن حكومة السراج التي تقف اليوم في وجه المشروع الوطني للجيش الليبي، هي في واقع الأمر رهينة بيد التنظيمات المسلحة وتأتمر بأمرها، وتنفذ أجنداتها المعروفة وغير المعروفة، وتدفع لها الإتاوات من موارد الشعب الليبي، وتكفل لها دوْرًا سياسيًّا وإداريًّا وموْردًا ماليًّا، على حساب الليبين وأمنهم وقوتهم.

الجيش الوطني الليبي وهو يعلن هدف عملياته في طرابلس، يعكس أماني الشعب الليبي وتطلعه لاستعادة وطنه من خاطفيه المحليين والخارجيين. ولو كان الجيش الليبي يعمل من أجل مصالح ضيقة وأجندات حزبية كما حال الفصائل والتنظيمات التي تقاتل في طرابلس، لاكتفى بمناطق نفوذه التي يسيطر عليها حاليًّا والتي تعادل ثلثي مساحة ليبيا، لكن الجيش يقاتل من أجل مشروع وطني لا يكتمل إلا باستعادة درة هذا المشروع، ورأس سنامه، وهي العاصمة ممن اختطفوها وجعلوها رهينة لأطماعهم، وغنيمة يقتسمون مواردها، ويستقوون على أمنها واستقرارها.

لقد أظهرت المواجهات الميدانية الأخيرة بين الجيش الليبي والفصائل المسلحة التي تسيطر على طرابلس، الطبيعة الإرهابية لهذه الفصائل، والتي تجلت في التأييد الذي حظيت به من المنظمات الإرهابية المعروفة وعلى رأسها تنظيم داعش، أو في الدعم السياسي، والمالي، واللوجستي، الذي يصلها من دول إقليمية تشكل حواضن وملاذات لتك المنظمات والجماعات.

التطورات الجارية في طرابلس وما حولها، أعادت حسابات الكثيرين، الذين ربما وجدوا في الاعتراف بحكومة السراج تسرعًا يقتضي المراجعة، وفي اتفاق الصخيرات خطأً يتطلب التصحيح. ولعل الاتصال الهاتفي الذي جرى بين المشير حفتر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤشر على وجود مناخ دولي موات لإجراء مثل تلك المراجعة.

ليبيا بوضعها الراهن، الممزق بين شرعية حكومة السراج التي ينتهكها الإرهاب وتسيطر عليها التنظيمات، وبين مشروع وطني جامع يقوده الجيش، هي أيضًا، ضحية ازدواجية دولية، وهي تحتاج الآن إلى مقاربة جديدة لا يكون فيها مكان للقوى والفصائل المسلحة، وإلى عمل دولي منسق لعزل وقطع خطوط الإمداد العسكرية والمالية من القوى التي تقف في وجه عودة ليبيا إلى أحضان شرعية غير ملوثة بأجندات إرهابية أو حسابات حزبية وفئوية ضيقة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة