أردوغان و“الانقلاب“ الانتخابي

أردوغان و“الانقلاب“ الانتخابي

تاج الدين عبدالحق

فوز بنكهة الهزيمة، هكذا يوصف تقدم حزب العدالة والتنمية التركي بزعامة رجب طيب أردوغان، بالانتخابات البلدية التي جرت هذا الأسبوع، والتي تكون في العادة مؤشرًا على المزاج السياسي العام للشارع التركي، خاصة في المرحلة المقبلة .

أهم مظاهر الانتكاسة في شعبية أردوغان، أن حزبه خسر مدينة إسطنبول التي صعد منها نجم ”رجب طيب أردوغان“ السياسي، عندما أصبح رئيسًا لبلديتها قبل حوالي ربع قرن، وهو في مستهل الأربعين من عمره.

وقد ظل رجالات حزب العدالة يتوارثون حكم المدينة، منذ ذلك الحين، كتعبير عن الشعبية التي يحظى بها الحزب، وكذخيرة هامة في المعارك السياسية التي كان يخوضها ضد مناوئيه، سواء في الانتخابات التشريعية أو المحلية .

أهمية إسطنبول لا ترجع فقط للمكانة الخاصة التي تحتلها المدينة كعاصمة تجارية وتاريخية لتركيا، بل في وجود قاعدة انتخابية عريضة، يقدرها البعض بربع المخزون الانتخابي التركي، إذ يقدر عدد سكان المدينة بحوالي 17 مليون نسمة من أصل ثمانين مليونًا هم عدد سكان تركيا الإجمالي.

وكان حزب العدالة والتنمية يعول على إسطنبول لمواجهة خسارته التي كانت منتظرة في العاصمة السياسية والإدارية ”أنقرة“، وهو ما حدث بالفعل، ليخسر الحزب عاصمة الأعمال، وعاصمة السياسة في ضربة واحدة.

أردوغان فاز بالمناطق الريفية والأقاليم البعيدة عن المدن الرئيسة، وهو في هذا الفوز يعطي الدليل على الكيفية التي يستخدم فيها الخطاب الديني لجذب الناخبين المتدينين، والذين يتركز معظمهم في الأرياف والمناطق الشعبية.

وحتى هذه اللحظة لا زال حزب العدالة يمسك بدفة الحكم من خلال الأغلبية البرلمانية التي يتمتع بها، لكن هذه الأغلبية لن تنجح في لجم تأثير نتائج الانتخابات البلدية على تفاقم التململ من الأوضاع الاقتصادية السيئة، وعلى مستوى تردي سعر صرف الليرة التركية .

وفي الديمقراطيات العريقة، عندما تكون نتائج الانتخابات غير حاسمة، أو عندما ينتج عنها حالة انقسام سياسي وطني، كالذي يحدث الآن في تركيا، تلجأ تلك الديمقراطيات إلى ما يعرف بانتخابات تشريعية مبكرة، لإعادة اللحمة للشارع السياسي حتى يكون قادرًا على تجاوز المشكلات المعيشية وطرح بدائل وحلول لاحتواء ما يهدد مجتمعاتها، ويلحق ضررًا بها.

لكن يبدو أن هذا الخيار غير مطروح ضمن أجندة أردوغان، الذي يبدو مصرًّا على الاعتماد على أغلبيته التشريعية للسنوات الأربع المقبلة، خوفًا من أن يدفع حياته السياسية كلها، ثمنًا لانتخابات تشريعية لا يضمن أن يفوز بها، ولا أن يحتفظ بالأغلبية البسيطة التي يملكها حاليًّا.

مشكلة أردوغان التي تهدد حياته السياسية لا تكمن في المشكلات الاقتصادية فقط، بل بمعاركه السياسية مع أحزاب المعارضة الداخلية، ومشكلاته مع جيرانه التي أورثت تركيا أزمات من كل نوع . وقد كان أردوغان يأمل أن يفوز بالانتخابات البلدية فوزًا معتبرًا يتيح له الفرصة لتصفية ما تبقى من خصومه السياسيين في الداخل ، ويتفرغ لخلافاته مع الخارج . لكن صعود المعارضة الآن قد يجعل هذه المهمة أكثر صعوبة وأكثر كلفة .

المشهد في تركيا بعد الانتخابات البلدية يدخل حالة سيولة، ويجعله مفتوحًا على كل الاحتمالات. ومن الواضح أن التغيير في تركيا لن يبقى محصورًا في الداخل، بل سيكون له ارتدادات وتداعيات في الخارج، خاصة بعد المواقف المثيرة التي اتخذتها أنقرة إزاء القضايا الإقليمية المحيطة بها، والتي جعلتها في خصومة مع الجميع، وورطتها في مواقف وسياسات لم تعد قادرة على التكيف معها بسهولة. وإلى أن تتضح الطريقة التي سيعالج بها أردوغان انتكاسة حزبه في الانتخابات البلدية سيظل الأتراك في الداخل، ومن يجاورهم في الإقليم في حال ترقب وانتظار لحلول لم يعد أردوغان يملك وحده مفاتيحها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com