البرامج الاجتماعية دليل انفتاح أو انحدار؟ – إرم نيوز‬‎

البرامج الاجتماعية دليل انفتاح أو انحدار؟

البرامج الاجتماعية دليل انفتاح أو انحدار؟

وئام غداس

تكاد لا تخلو شاشة عربيّة من عكّاز عاطفيّ اسمه: برنامج اجتماعي، وأعني طوابير البشر المنظّمة ضمن حصص تلفزيّة لنشر الغسيل، الغسيل الحميم للشخص وللمجتمع بأسره .

لوهلةٍ وأنت تسمع عن نوعه ”اجتماعي“ تعتقد أنّنا مهمومون فعلاً بمشاكل الآخر، وبالتالي مناطق القتامة والظلّ داخل المجتمع ككلّ ، لكن ومع الأسف كلّ هذه العناوين الكبيرة لا تسفر في النهاية

سوى عن مضمون صغير، تافه وأحيانا كثيرة ضحل.

لا يمكن تعميم هذا الكلام ولا إنكار ما كان للإعلام من دور في تسليط الضوء على قضايا اجتماعية هامة لكنّه ينطبق بشكل تامّ على أحد البرامج الاجتماعية على قناة ”التونسيّة“.

طالب المجتمع المدني التونسي منذ ما يزيد عن العام بإيقافه لأنه يمس بالأخلاق العامة ويخدشالحياء العامّ وقد أكّد كثيرون أنه بات من المخجل مشاهدة حلقاته داخل العائلة الواحدة، كما

أنّه يكرّس للرداءة والانحلال ويشجّع المشاهد على كثير من الظواهر الخارقة للمجتمع المحافظوحتى غير المحافظ، بعد أزمة دامت شهوراً استطاع القائمون على البرنامج كسب القضيّة والعودة إلى التلفزيون بحالات أكثر جرأة من الأولى.

عندما وقف المذيع نافشاً ريشة نافخاً صدره، قائلا:نحن نحوز كل عام في استفتاء الإعلام علىأعلى نسبة مشاهدة ومهما فعل الحاقدون يبقى برنامجنا ناجحاً رغم أنوفهم، استحضرت جملةمصرية شهيرة : ( دا عبيط وإلا بيستعبط ؟ ) فعلاً لا تفسير أتاحته لي عبارته سوى أنّه قمّة فيالسطحية إن لم يجد دليلاً للنجاح سوى نسبة المشاهدين لبرنامج فاضح كالذي يقدمه، وأنّه برأيهيقتصر الإعلام على دور تعبئة أكبر عدد ممكن من الجمهور بقطع النظر عن نوعية المادّة المقدّمة وعليه ستكون مشاهدات قنوات“البورن“ الأعلى على الإطلاق وبالتالي الأنجح لو نظرنا للمسألة من وجهة نظره وهذا قمّة الاستهتار بدور الإعلام النبيل والنزيه، المترفع عن حسابات التجارة والمكسب والخسارة.

لكن القائمين على مثل هذه المواد اختاروا خيارهم هذا منذ الأول، ورأينا العجب خلال أعوامبفضل هذا البرنامج إلى حدّ ذهب فيه البعض أن حالاته مفبركة لا ريب، فقد بدا للمجتمع أنّه من المستحيل أن تقف فتاة في السابعة عشرة هاربة من بيت أهلها وتتحدث بأريحية قصوى عن مغامراتها في طريق الانحراف بتفاصيل يندى لها جبين المشاهد أما هي فلا تحرّك ساكناً أو تأتي أخرى لتطلب السماح من أبيها لأن أخاها كان ينام معها طيلة عام كامل ولم تقدر أن تخبره ، فضلا عن آلاف الحالات من نساء محصنات يفاجئهن البرنامج بأغلاط صباهنّ المتمثلات في لقطائهنّ الموزعين داخل الأرض ،رجل يريد أن يراضي زوجته التي كانت تخونه بل وأنجبت من غيره خمسة أولاد ذلك أنه اكتشف بالصدفة أنه عقيم لكنّه يقفهناك ليقول سامحتك لأني أحبك !

يقول أصحاب الحصّة التلفزية أننا شعب منافق نحب الكذب ونكره النظر إلى حقيقتنا في مرآةهذا تبريرهم لرفض الجمهور لهم رغم أنه يشاهدهم لأسباب لا تمت للرضا بصلة، والحال أن لا مجتمع يخلو من العيوب هذا حال البشرية كان ولا يزال، لكننا كنّا نفضّل المعالجة أكثر من التشهير، كنّا نفضل خدمة معضلات المجتمع هذه بالتعامل معها كحالات شاذّة وليس طبيعية بالإمكان عرضها في حصة تلفزية يشاهدها القاصي والداني ، كأنّنا متصالحون جدا مع هذا الواقع بل ونباهي بمدى انفتاحنا حدّ عرض العيب على أنه نوع من التطور وكسر التابوهاتوالحال أن الأعلام بهذا تحوّل إلى ضرب من ضروب الانحدار الحادّ، حادّ إلى حدّ الأزمة الحقيقية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com