الهدوء الذي كسرته 12 ساعة لبوتين

الهدوء الذي كسرته 12 ساعة لبوتين

يوسف ضمرة

لا عين مدربة تخطئ هذا الهدوء السياسي المريب، الذي تعبره المنطقة؛ هدوء لم تعكره سوى زيارة بوتين لتركيا ـ 12 ساعة فقط ـ ولقائه رجب طيب أردوغان. إضافة إلى إقالة الحكومة الإسرائيلية، والاستعداد لانتخابات مبكرة.

زيارة بوتين تستحق التوقف لأكثر من سبب. فهي تأتي بعد رفض تركيا الانضمام للتحالف الدولي العربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، لضرب داعش والنصرة في سوريا والعراق. وتأتي في المقابل في ظل إصرار أنقره على ضرورة إسقاط النظام السوري، وفرض منطقة عازلة في الشمال. بينما تمهد موسكو الأرضية المناسبة لجمع السلطة السورية الشرعية ببعض المعارضة.

هنالك فوق إجراءات المقاطعة الغربية ضد موسكو، ثمة أمر يتعلق بأسعار النفط. ويبدو للمتأمل أن موسكو ربما تكون الخاسر الأكبر من هذا كله. فهل هذا هو الرد الغربي على جهود موسكو السياسية فيما يتعلق بالأزمة السورية؟ وإذا كان ذلك كذلك، فما الذي يمكن لزيارة بوتين أن تفعله في هذا السياق؟

لن يؤثر هذا في جهود موسكو المتواصلة للبحث عن تسوية سياسية للأزمة السورية، لأكثر من سبب. أولها أن موسكو التي دعمت سوريا طوال ما يقارب 4 سنوات، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، كانت تدرك ما تفعله، وتدرك العواقب الوخيمة عليها فيما لو سقط النظام السوري كما حدث في ليبيا واليمن. وبالتالي فهي اليوم معنية أكثر من أي وقت بالحفاظ على سوريا موحدة، ودولة مركزية، بالرغم من الصعوبات التي ستواجهها مستقبلا بعد اجتياز الأزمة. فهذه الصعوبات على هولها، تظل أقل ضررا من سيطرة المتطرفين والتكفيريين على سوريا ولبنان، بما يمثله ذلك من شد عصب القوى المتطرفة على حدود روسيا.

وثاني هذه الأسباب، هو العمل مع تركيا التي تحتفظ بعلاقات طيبة حتى الآن مع أركان المعارضة السورية، ممثلة في الائتلاف السوري المعارض. ولعل زيارة معاذ الخطيب، الرئيس السابق للائتلاف إلى موسكو، وتصريحاته التي رفضتها بعض القوى المسلحة في سوريا، تشير إلى نوع من التقارب الروسي التركي ـ ولو مرحليا ـ فيما يخص الأزمة السورية.

موسكو لا ترى مانعا في تقديم بعض الحوافز لتركيا في هذا السياق، كموضوع الغاز الروسي، وتقوية الميزان التجاري بين الدولتين. وهو ما يصب في مصلحتهما معا؛ موسكو في مواجهة العقوبات الغربية، وأنقره في مواجهة التعنت الأوروبي في مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد.

تريد موسكو العمل بكل طاقتها لمنع انهيار الدولة السورية، وتريد أنقره نفوذا فقدته في الآونة الأخيرة، بسبب العزلة الخليجية على قطر من جهة، وعدم استجابة الولايات المتحدة للمطالب التركية. ولعل تركيا أخذت تدرك شيئا فشيئا، أن أمريكا ليست متحمسة لفكرة إسقاط النظام في سوريا، بالنظر إلى البدائل الماثلة للعيان، كما هي الحال في ليبيا واليمن. فليس من مصلحة أمريكا أو إسرائيل، نشر فوضى تكفيرية وقبلية في هذه المنطقة الحيوية، خصوصا أن العراق قد دخل في حالة انعدام وزن ضبابية، مع كل هذه الخسارات في الأرض والعسكريين.

أما المصلحة التركية الأكبر، فتتمثل في إضعاف القوة الكردية المسلحة في سوريا على الحدود التركية. أو في أسوأ الحالات، إبقاء هذه القوة في انشغال دائم داخل المناطق الكردية، من دون إتاحة الفرصة لها لتحقيق انتصارات ستؤثر بالضرورة على أكراد تركيا.

هل اتفق الطرفان على خارطة طريق مثلا؟ يصعب قول هذا. ولكن المؤكد، هو أنه تم جَسر الهوة بين الطرفين، ما يعني خلق مناخات جديدة قد تساعد في حل سياسي، بتقديم بعض التنازلات هنا أو هناك. ولكن، هل يمكن أن يحدث هذا بعيدا من الرغبة الأمريكية؟ بالتأكيد لا. ولعل زيارة السيسي إلى موسكو، وما تلاها من زيارة العاهل الأردني إلى مصر، تشيران إلى أن أمريكا على علم تام، وإحاطة كاملة بكل ما يجري العمل عليه في موسكو.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com