اتفاق الحديدة والحصاد المر 

اتفاق الحديدة والحصاد المر 

المصدر: قاسم عبدالرب العفيف

الحديدة كانت الجبهة الساخنة الوحيدة، وكانت على بعد كيلومترات من تحقيق النصر باستعادة مينائها؛ وكالعادة هرعت الأمم المتحدة تحت دواعٍ إنسانية للضغط بتوقيف العمليات العسكرية، وهذه ليست المرة الأولى، ولكنها قادت المتحاربين إلى طاولة المشاورات، وكالعادة لم يلتزم الحوثي بالحضور وتمنع وطرح شروطه القاسية، رغم أنه كان على وشك الاستسلام إن استمرت العمليات العسكرية، وفشلت الجولة الأولى وعادت الشرعية بخفي حنين.

وبالمقابل، شمر المبعوث الدولي شراعه وأبحر إلى صنعاء لترضية الحوثي، ولَم يخرج منها إلا بعد تلبية شروطه بنقل الجرحى والمرافقين دون المرور على التفتيش المعتاد للتأكد من هويتهم، إذ يحتمل أن يكون بينهم خبراء أجانب، وعلى هذا ظهرت بادرة أمل في تجنيب الحديدة التدمير والفوضى في انعقاد جولة المشاورات في السويد، تحت عناوين الأسرى والانسحاب من الموانئ الثلاثة وفتح ممرات آمنة لتسيير قوافل الإغاثة. وتمخضت المشاورات عن عناوين غير ملزمة باتفاقات موقعة وفقط حدد إطار الزمن لتنفيذ ما تم التوافق عليه، وكالعادة الشرعية التزمت بوقف العمليات العسكرية والمساعدة في تطبيق من جانبها ما تم التوافق عليه، وفِي جانب الحوثيين لم يلتزموا بأي  شيء، وتم إهدار الوقت والمماطلة، بل قام الحوثي بتحويل جنوده إلى قوة خفر السواحل، وبهذا أعلن أنه قد نفذ الاتفاق بأن سلم الحوثي إلى حوثي آخر، وأصبح الاتفاق يحتاج إلى جولة مشاورات أخرى يقوم بها المبعوث الدولي، ولا تملك الأمم المتحدة أية قوة لإلزام الطرف المخل بالاتفاق.

وفِي الأخير كان الرابح الأول في هذه الجولة هو الحوثي وحلفاؤه؛ حيث تمكن من الحصول على هدنة كان في أمس الحاجة إليها، وفِي نفس الوقت نفذت مطالبه في إخراج الجرحى ومرافقيهم المجهولين دون المرور بالتفتيش المعتاد، والأهم أن الحوثي حصل على شرعية التفاوض الندي للشرعية المعترف بها دوليًا وانتفت عنه صفة الانقلابيين. وفِي الأثناء يقوم بحرب استنزاف لقوات العمالقة في الحديدة من خلال العمليات المكثفة برًا وبحرًا؛ بهدف توجيه أكبر قدر من الخسائر بين صفوفها وإضعاف معنوياتها، علاوة على تمكين الحوثي من إعادة ترتيب قواته ورفدها بالقوى البشرية والمعدات الحربية، وأخذ استراحة لقواته استعدادًا لجولة قادمة.

أما مكاسب الشرعية لا تعدو أن رئيس وفدها قد صافح رئيس وفد الانقلابيين، وغير ذلك خسرت الشرعية المبادأة في تنفيذ العمليات العسكرية والتي كانت في متناول يدها في حسم معركة الحديدة، وأصبحت تناشد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بإرغام الحوثي على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وأضحت قواتها في الحديدة تحت مرمى مدفعية الحوثي وعملياته العسكرية، التي تنفذ برًا وبحرًا لتربكها وتخلق الذعر بين صفوفها وإضعاف معنوياتها، وظلت بقية جبهات الشرعية الرئيسيّة في سبات عميق أعطت الحوثي إمكانية المناورة بالقوات من تلك الجبهات إلى جبهة الساحل الغربي الساخنة.

لا يوجد أمل في تحقيق سلام عادل وآمن وتسوية سياسية تضمن عدم تكرار الانقلاب، طالما لم يكن هناك تغيير في ميزان القوى على الأرض، ففي المناطق الشمالية تعثر الحسم العسكري خلال السنوات الماضية، وظلت جبهات رئيسية في سبات عميق، ولَم تتمكن الشرعية من سحب قوات ضخمة تقول إنها تابعة لها في مناطق صحراء حضرموت والمهرة ومحافظة عدن وأبين لتزجها في معركة الحسم، وجميع تلك القوات على معرفة تامة بمسرح العمليات في المناطق الشمالية. لا أحد يعرف ما هي الحسابات التي تراهن عليها الشرعية في إبقاء قوات ضخمة بيدها خارج المعركة، وتعطيل حسم المعركة وتغيير ميزان القوى لصالحها، وبالتالي إطالة أمد الحرب الذي أصبح بكل المقاييس ليس في صالحها ولا صالح التحالف في نفس الوقت.

الجديد في الأمر أن الانقلابيين قد فاجأوا العالم بتسيير طائرة بدون طيار وتنفيذ تفجيرها على منصة العرض العسكري في العند، التي تستهدف قيادة الجيش الوطني التابع للشرعية في الجنوب، وعلى إثر ذلك استشهد فيها اللواء طماح مدير الاستخبارات العسكرية وعدد من الجنود وعدد من الجرحى القادة الآخرين.. هذا التطور الجديد ناتج عن تمكين الانقلابيين من الهدنة والأريحية في تنفيذ عملياتها، ولكن السؤال الملح لماذا العند بينما كانت هناك عروض عسكرية قبل وبعد حادثة العند تمت وعلى تماس مباشر في جبهات متعددة، لم يرسل الحوثي طلقة رصاص واحدة بل من كان في تلك العروض صيد ثمين للحوثيين، تمثل في نائب الرئيس في إحداها ونائب رئيس الوزراء في الأخرى؛ لذا الشرعية ممثلة بالرئيس ورئيس الحكومة مطالبة بتشكيل لجنة تحقيق مهنية عالية التأهيل والكفاءة في كشف ملابسات عملية العند، وتوضيح نتائج التحقيقات للرأي العام على وجه السرعة، وهذا مطلب قانوني وملح ومفروض أن يتم بشكل اعتيادي، بينما في كل العالم عندما تحدث مثل تلك العمليات تتم الإطاحة بالحكومه فورًا والكثير من المسؤولين للتقصير في حماية أهم تجمع قيادي للقوات المسلحة.

أما فيما يخص المجتمع الدولي فعليه إظهار الجدية في التعامل مع الحركه الانقلابية ومن يدعمهم من الدول في الإقليم، من خلال فرض عقوبات إضافية ومنع تدهور الوضع.

قاسم عبدالرب العفيف

سفير سابق

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com