أضرار الوفرة

أضرار الوفرة
أحمد مصطفى

لا ينكر أحد أن الشبكة العنكبوتية الدولية أو باختصار الإنترنت أحدثت ثورة معلوماتية في العقود الثلاثة الأخيرة كان لها تأثير واسع على كافة مناحي حياة البشر، وخاصة الثقافية والاجتماعية.

لكن لا يوجد شيء بلا ثمن، وللأسف فالثمن الذي يدفعه البشر نتيجة الوفرة الهائلة في المعلومات نتيجة اتساع نطاق انتشار الانترنت واستخداماتها ينال من قيمة المعلومات أساسا.

فالمفترض ان زيادة المعلومات تؤدي إلى تطور المعرفة في علاقة طردية، هكذا يقول المنطق البسيط. لكن الواقع أن العلاقة باتت عكسية، فمع الوفرة الهائلة للمعلومات تتراجع جودة المعرفة.

ربما لأن المعرفة تتطلب إعمال العقل، وتلك الوفرة الهائلة للمعلومات وبالسهولة التي طورتها الإنترنت، أدت إلى “استسهال” شديد جعل العقل أكثر كسلا حتى كادت خلايا “التربيط” فيه تصاب بالخمول.

لا شك ايضا ان الوفرة المعلوماتية تشوبها مزيد من المعلومات المغلوطة، لكن لا مشكلة في ذلك لو كانت العقول قادرة على التنقية و”الغربلة” السريعة.

أقرب مثال على ما فعلته الانترنت بالمعلومات والمعرفة هو ما فعلته الهندسة الوراثية بالفاكهة، فصارت الثمار أكبر كثيرا من حجمها الطبيعي وتجدها في غير موسمها ففقدت طعمها وإن قويت رائحتها.

بالتأكيد ستجد من يصف هذا الرأي بأنه “جامد” وضد التطور و”ديناصوري” سيندثر سريعا أمام التطور الطبيعي للبشرية، وفي هذا قدر من الصحة أيضا. لكن زمن اندثار الديناصورات كانت عوامل التغيير فيه طبيعية أكثر منها بشرية، أما ما يفعله البشر بأنفسهم فلا يمكن ألا يفكر به بعضهم ويتدبروه.

فلنجب على بعض الأسئلة السريعة ثم نتدبر تلك الاجابات بعد ذلك: من منا لا يشكو من ضعف التعليم، حتى في المدارس الخاصة مرتفعة الكلفة؟ من منا لا يشكو من فقدان قيمة العمل لدى اولاده المراهقين؟ من منا لا يعلق على تدهور اللغة، أي لغة، وتجاهل قواعدها السليمة؟ …

لا يجوز بالطبع تحميل انتشار الانترنت كل مثالب الثقافة والمعرفة، لكن هل من ينكر أن للوفرة اضرارا تفوق فوائدها أحيانا؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع