يهودية الدولة وداعش والرد الفلسطيني

يهودية الدولة وداعش والرد الفلسطيني

يوسف ضمرة

قررت الحكومة الإسرائيلية أن إسرائيل وطن قومي لليهود. فماذا كان ردنا كعرب؟

قررنا الذهاب إلى الأمم المتحدة؛ أي إننا سنذهب كي نقر الأمر على مستوى دولي، ونقول بعدها: العالم منحاز!

لنعد إلى الوراء ونقرأ وعد بلفور” إن حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين” . لم ألجأ إلى محرك البحث”غوغل” لكتابة الوعد؛ هذا ما قرأناه في المدارس الابتدائية في ستينات القرن الفائت.

لم يكن الوعد ينطوي على مسحة إنسانية لإنقاذ اليهود من بطش أوروبا، وضيق الأوروبيين بهم. كان ينطوي على قومية الدولة اليهودية منذ اللحظة الأولى.

يأتي هذا القرار في ظل تداعي دول العالم لتشكيل تحالف دولي لمحاربة الدولة الإسلامية، بوصفها دولة إرهابية لأنها قائمة على العقيدة. وهو المبدأ نفسه الذي تمت محاربة الشيوعية من قبل على أساسه؛ العقيدة أو الأيدلوجيا. فماذا عن إسرائيل؟ إذا كان داعش يقتل بالسيف، فإسرائيل تستخدم الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية وقنابل الأعماق التكتيكية. صحيح أن هذا ليس مبررا لداعش، لكنها مجرد مقارنة لا تخطئها العين.

إسرائيل وطن قومي لليهود. ليس ثمة عنصرية عبر التاريخ مثل هذه؛ أن تنعزل جماعة تعتنق ديانة ما، لتقرر أن هذه البقعة الجغرافية أو تلك، لن تكون لأحد يختلف معها في الديانة. فماذا بشأن الفلسطينيين الموجودين في فلسطين المحتلة؟ هم ليسوا مواطنين بالطبع. إنهم في أحسن الأحوال مواطنون من الدرجة ثانية، وربما رعايا. ومن حق إسرائيل”الدولة اليهودية” أن تتصرف مع رعاياها بالطريقة التي تراها مناسبة، خدمة للدولة القومية. وهذا يعني أن هؤلاء الفلسطينيين يمكن التخلص منهم في أي وقت بذرائع مختلفة؛ تهديد أمن الدولة ومواطنيها بأي شكل تراه الدولة. حسنا، فما العمل؟

إسرائيل تدرك جيدا أن الغرب الإمبريالي بحاجة إليها. وعليه، فهو سيدعم هذا التوجه ويعتبره شأنا داخليا في الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة كما يقول الإسرائيليون. والعرب الرسميون منشغلون في تثبيت الحكم الأوليغارشي، بمساعدة إسرائيل والغرب، حيث وصلت الأمور إلى الحد الذي يجعل من هذا الغرب قادرا على التلاعب بالأنظمة كيفما شاء.

ألمقاومة الفلسطينية من جهتها، تجد نفسها في موقع لا تحسد عليه؛ فقد أصبحت منبوذة من النظام العربي الرسمي كله بحجج وذرائع سطحية وساذجة. وبالكاد يجد الفلسطينيون وقتا لدفن شهدائهم، أو العثور على حفنة ماء غير ملوثة. وهذا التوصيف ليس من قبيل المبالغة الأدبية أبدا. فهنالك آلاف العائلات الفلسطينية في غزة لا تجد لها مكانا للنوم سوى في الشوارع والأزقة وبين الركام. بينما وصل اليمين الإسرائيلي ـ لا يسار في إسرائيل ـ مرحلة من التبجح تجعله يقتل ويهدم البيوت ويسرقها، ويخطط يوميا لهدم المسجد الأقصى تمهيدا فقامة الهيكل المزعوم.

لا أحد في هذا العالم معني بالقضية الفلسطينية؛ العالم منشغل بحقول الغاز والنفط وطرق إمداده وإيصاله إلى الشركات الكبرى بأقل كلفة ممكنة، ولا يهم بعد ذلك أن تقوم إسرائيل بقتل آلاف الفلسطينيين وتشريدهم ومنعهم من أبسط حقوق البشر التي يتشدق بها العالم”الحر”! العالم الذي يوظف العرب بعضهم في مواجهة البعض الآخر، لتحقيق مآربه وأهدافه التي ليس من بينها حرية الشعوب وحقوقها الإنسانية.

ربما يتساءل البعض: ما العمل؟

الجواب يبدأ بترتيب البيت الداخلي الفلسطيني أولا. لا أعني المصالحة بين فتح وحماس، تلك القصة السمجة التي لم تعد مسلية لأحد. بل أعني ثورة فلسطينية داخلية تطال المؤسسات الفلسطينية كلها في الضفة وغزة والشتات. فليس ثمة ما يجعل أحدا يهتم بأمرك طالما أنت لا تهتم بنفسك. هذه الثورة ليست بالضرورة مسلحة أو انقلابا عسكريا، لكن لدى الفلسطينيين من الكفاءات الوطنية ما هو قادر على إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، ووضعها من جديد على طاولة العالم، كملف ساخن تنبغي معالجته بما يحفظ الحقوق والبشر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎