تركيا.. أوهام إمبراطورية هشة

تركيا.. أوهام إمبراطورية هشة

بعد أن يئست تركيا من طرق أبواب الاتحاد الأوروبي، الذي ثبت أنه لا يراها سوى ثكنة عسكرية متقدمة لحلف الشمال الأطلسي في مواجهة الأطماع السوفياتية في البداية ثم الروسية فيما بعد، استدارت نحو محيطها الإقليمي يحذوها الأمل في استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية ولو بطريقة غير مباشرة.

بدأت الاستدارة زمن الرئيس الراحل توركوت أوزال، ولكنها أصبحت سياسة قارة وهدفًا استراتيجيًا مع صعود حزب العدالة والتنمية ذي النكهة الإسلاموية إلى السلطة سنة 2002. ارتكزت هذه الاستراتيجية التركية الجديدة على نظرية تصفير المشاكل مع الدول المجاورة، والبحث عن تطوير العلاقات معها على أساس تبادل المصالح والمنافع؛ الأمر الذي ساعد في إحداث نقلة نوعية في تلك العلاقات وصلت حد إبرام العديد من اتفاقات التبادل الحر في العالم العربي، وتأسيس ما سمي بالحوار الاستراتيجي مع دول مجلس التعاون الخليجي.

وبقدر ما كانت هذه الاستدارة ذات طبيعة استراتيجية، فإنها كانت أساسًا بأطماع هيمنة سيزال القناع عنها مع أحداث الربيع العربي واحتجاجاته، إذ سارعت أنقرة إلى الانتصار ليس للشعوب التي انتفضت، وإنما لتيارات الإسلام السياسي على اختلاف أنواعها، التي ركبت تلك الأحداث لتصل إلى السلطة أو تشارك فيها.

ولم يكن ذلك غريبًا لأن حزب العدالة والتنمية التركي يقاسم تلك التيارات في الدول العربية والإسلامية نفس الأطماع ، بل ويرى نفسه قائدًا ملهمًا لها، سيما وأنه تمكن من تسويق نفسه لدى الدول الغربية الكبرى كنموذج “إسلامي ديمقراطي معتدل” ينسجم مع مصالح تلك القوى ويخدمها، وإن تعارض معها ففي الشكليات فقط وإلى حين.

غير أن تطورات الأحداث بما في ذلك ما حصل في الداخل التركي نفسه سيكشف انتهازية نظام حزب العدالة والتنمية ومدى ازدراء قيادته للمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بالسلطة والاستئثار بمغانمها، وقد اتضح ذلك جليًا في العديد من الأمور أهمها :

*أجرى النظام تعديلًا دستوريًا لتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية وتقزيم دور رئيس الوزراء، ولكنه لم يكلف نفسه عناء مجرد الإشارة إلى التنوع العرقي في البلاد، إذ واصل عدم الاعتراف بأعراق المواطنين الآخرين من غير العرق التركي سواء تعلق الأمر بالأكراد وهم الأكبر عددًا بين القوميات أو بالعرب والشركس واللاز، ناهيك عن الأقليات الدينية والمذهبية كالعلويين.

*لم يتردد النظام في التنكيل بمعارضيه طيلة السنوات الماضية، ولم يكن ما حدث في أعقاب الانقلاب المزعوم سنة 2016 من اعتقالات وإقالات وإعلان حالة الطوارئ سوى حلقة ضمن مسلسل من التعسفات الهادفة إلى إسكات أصوات المعارضة ولجمها تمهيدًا لإعلان أردوغان سلطانًا عثمانيًا جديدًا غير متوج.

*لقد بدأ التضييق على المعارضة بقوة وبعيدًا عن الضمانات الدستورية منذ سنة 2013 عندما هب الشارع التركي ضد ما سمي مخططات تطوير ميدان تقسيم وحديقة جيزي في قلب إسطنبول، تلك المخططات التي شكلت مدخلًا لسياسة النكوص عن مبادئ العلمانية، ومقدمة أسلمة تدريجية للمجتمع على النمط الإخواني.

*تبنى النظام سياسة قمعية لا رحمة فيها ضد الصحافة والإعلام غير آبه بتراجع ترتيب البلاد في مجال الحريات الصحفية إلى الرتبة 154 عالميًا، ولا مكترث بتقارير أممية من بينها تقرير منظمة مراسلون بلا حدود التي اعتبرت تركيا مؤخرًا أكبر سجن عالمي للصحفيين.

وبديهي أن سياسات مغامرة كهذه ستنعكس سلبًا على صورة البلاد في الخارج، وستخلف آثارًا اقتصادية وخيمة كشفت هشاشة الاقتصاد التركي، التي تجلت في انهيار الكثير من مؤشرات البورصة، وانخفاض قيمة الليرة التركية إلى مستويات قياسية، وهروب الكثير من المستثمرين الأجانب بمن فيهم العرب.

فهل يستفيق إخوانيو تركيا من الأوهام أم يواصلون دفن رؤوسهم في الرمال ؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع