دجاجة إسرائيل أم بيضة إيران

دجاجة إسرائيل أم بيضة إيران

تاج الدين عبد الحق

على طريقة الدجاجة والبيضة، كنا نظن أن الاتفاق النووي مع إيران، هو المخرج لأزمات المنطقة، لنفاجأ بأن الاتفاق سيظل صعب المنال، ما دام مثقلا بتلك الأزمات.

على هذا انتهت جولة المفاوضات بين الدول الغربية الست وإيران في العاصمة النمساوية فينا، وأصبح الاتفاق السياسي الإطاري المفترض أن ينجز بحلول مارس آذار، هو المدخل للاتفاق النووي الذي يأمل المتفاوضون بالوصول إليه في يونيو من العام المقبل كموعد نهائي وأخير.

جولة فينا رغم ما حملته التصريحات التي تناولتها، من نبرة متفائلة، تخلط أزمات مزمنة، وتعقد قضايا متشابكة أصلا. والاتفاق السياسي المأمول في مارس، لا يبدو أسهل منالا من التوافق حول المسائل التقنية في البرنامج النووي. فإيران التي لها قرص في كل أعراس المنطقة، تعلم أن دورها في الإقليم هو الذي يمنحها قوة التفاوض، كما أنها تعلم أن الانسحاب من أزمات المنطقة أو تقليص دورها فيها، يعني تقليم طموحاتها التي لا ترى بديلا لها خارج الإقليم .

الإطار السياسي الذي أدخلته الدول الغربية على المفاوضات النووية مع إيران، هو إطار جديد لم يكن مطروقا أو معروفا . وكانت إيران حريصة على الابقاء على الطابع التقني للمفاوضات، وكان اقصى ما يذكر في المجال السياسي التأكيد على سلمية البرنامج، وعلى تحريم استخدام السلاح النووي كخيار من خيارات إيران العسكرية.

لكن يبدو أن هذه الحدود من الالتزامات السياسية ليست كافية، أو أنها لم تكن هي كل ما يطالب به المفاوضون الغربيون، في الغرف المغلقة، ووراء الكواليس.

فإيران التي لم تمل التأكيد على الطابع السلمي لبرنامجها النووي والتي الزمت نفسها شرعيا بتحريم استخدام السلاح النووي، تجد نفسها بعد جولة فينا الأخيرة أمام استحقاقات سياسية تفصيلية تطال أزمات المنطقة الجديدة وقضاياها المزمنة.

الاتفاق السياسي بالنسبة لإيران، لا يعني فقط تبريد الأزمات الساخنة مع دول الجوار فقط، ولا تخفيض مستوى دعمها للقوى والأنظمة الحليفة لها في المنطقة فحسب، بل إنه قد يضعها في مواجهة مطالب سياسية أبعد تتناول علاقاتها بإسرائيل وموقفها ”المعلن“ من الصراع في الشرق الأوسط. فهواجس الدول الغربية من البرنامج النووي الإيراني مرتبطة بالهواجس الإسرائيلية. ولذلك فإن المفاوضين الغربيين عندما يطلبون إطارا سياسيا للاتفاق النووي إنما يطلبون تطمينات سياسية إيرانية لإسرائيل.

التطمينات التي قد تطلبها إسرائيل، يمكن أن تكون أكثر صعوبة على القيادة الإيرانية من التنازلات التقنية في الملف النووي، فإسرائيل قد تطلب اعترافا من طهران بحق إسرائيل بالوجود، وهو الحق الذي تنكره أدبيات الثورة الإيرانية وقياداتها المحافظة.

وحتى لو كانت إسرائيل أكثر تواضعا في مطالبها، فإنها قد تطالب طهران بالتراجع الصريح والواضح، عن بعض المواقف والتصريحات التي عبرت عنها قيادات إيرانية سابقة، او حالية، وهو تراجع يحرج القيادة الإيرانية، أكثر مما يفيد إسرائيل.

إسرائيل قد تطالب أيضا بمواقف والتزامات سياسية تفرغ محتوى الخطاب السياسي الإيراني، القائم على فرضية أنها عراب المقاومة والممانعة في المنطقة.

وبغض النظر عن الحدود التي يمكن أن تصل لها مطالب إسرائيل، ومن ورائها الدول الغربية، فالواضح أن البحث عن إطار سياسي للاتفاق النووي، يرمي الكرة في المرمى الإيراني من جديد. فالتنازلات التي قدمتها إيران في ملفها النووي ستظل غير كافية، لإقناع الدول الغربية بسلمية البرنامج النووي، إلا إذا تحولت إلى قناعة إسرائيلية .

ومثل هذا التحول لا يتحقق إلا بتغيرات دراماتيكية في الموقف السياسي الإيراني، وهي تغيرات قد تفتح باب مراجعات عميقة لا في السياسة الإيرانية فحسب، بل في صدقية دور طهران حتى عند اقرب حلفائها ومحازبيها في المنطقة.

فك الارتباط بين السياسي والتقني في المفاوضات النووية مع إيران لا يسهل الحل، ولا يسرع الطريق للوصول إلى نتائج حاسمة، بل قد يدخل تلك المفاوضات في متاهات ودروب متشابكة، أو في دائرة مفرغة لا يصل من يدخلها إلى أي نتيجة ولا إلى أي مكان.

ومن ينتظر مارس لتحقيق إختراق في المفاوضات النووي الإيرانية، عليه أن يراقب أزمات المنطقة وكيف تتحرك الجهود لمعالجتها، والتصدي لتداعياتها. والواضح إلى الآن أن هذه الأزمات لم تدخل طور الحل، بل لا تزال إلى الآن بالونات اختبار للقوى الإقليمية والدولية المتصارعة والمتنافسة، وقد نحتاج إلى وقت طويل قبل أن نشهد إنفراجات، ناهيك عن حلول.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة