قمة إبراء الذمة (1)  

قمة إبراء الذمة (1)  

المصدر:  تاج الدين عبد الحق

شهدتُ ولادة مجلس التعاون في أبوظبي عام 1981. كان قد مضى على الثورة الإيرانية قرابة عامين، فيما كانت الحرب العراقية الإيرانية أو ما يعرف بحرب الخليج الأولى تدخل سنتها الثانية.

كان كل ما يحيط بالمنطقة يشي بالخطر، وكانت المخاوف من اتساع رقعة الحرب، أو امتداد شررها إلى دول المنطقة مسيطرة على الجو السياسي، خاصة في ضوء تواتر الحديث الإيراني عن تصدير الثورة، والتبشير بها في عموم المنطقة.

بدا قيام المجلس، في ذلك الوقت، أقرب لردة الفعل على الأحداث الخطيرة التي تتوالى في المنطقة. وكان الهاجس الأمني هو المسيطر على مؤتمر القمة الأول لقادة دول المجلس، ولم تستطع التأكيدات المستمرة على الطابع السلمي لأهداف وغايات المجلس أن تغير الانطباع العام الذي يشير إلى أن مجلس التعاون كان من بين الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها دول الخليج العربية لمواجهة العواصف العاتية التي تهب على المنطقة.

وفي غمرة التركيز على الطابع الأمني لمنظومة العمل الخليجي الجديدة، تناسى الكثيرون المحاولات السابقة التي بذلتها الدول العربية في الخليج لإيجاد سبل للتعاون والأمن بمشاركة العراق، وإيران الشاه في ذلك الوقت.

وكان اجتماع وزراء خارجية دول الخليج العربية والعراق وإيران في مسقط،عام 1976، والذي حضره بالإضافة لوزراء خارجية الدول الخليجية الست، كل من: سعدون حمادي وزير خارجية العراق في ذلك الوقت، وعباس علي خلعتبري وزير خارجية إيران آنئذٍ، هو التتويج الأوضح لتلك المحاولة التي انتهت بالفشل؛ بسبب  الخلافات العراقية الإيرانية المزمنة، وبسبب التباين الكبير بين البلدين؛ حول مفهوم الأمن المنشود.

في ذلك الاجتماع بدا للذين تابعوا أعماله، أن أمن الخليج رهن بتوافق القطبين الكبيرين في الخليج، العراق وإيران، ومدى استجابة دول المنطقة – حتى لا نقول انصياعًا – لمصالح البلدين التي كانت تتناول طيفًا واسعًا من القضايا، لا تشمل الخلافات التاريخية والقومية والأيديولوجية فقط، بل تتناول كذلك الخلافات الحدودية، والارتباطات الدولية للبلدين.

كان الاجتماع عاصفًا وقصيرًا، وكرس ما كان معروفًا أو متوقعًا، لكنه فتح الباب أمام بعض المنظرين الذين وجدوا أن الطريقة المثلى للتخلص من تأثير وهيمنة القوتين الكبيرتين في الخليج، هي في توسيع فكرة الأمن الخليجي، ليشمل هذه المرة دولًا في الجوار الآسيوي، وبالتحديد دعوة الهند لتكون ضمن منظومة الأمن المنشودة، وهو أمر أثار حفيظة آخرين كانوا يعتقدون أن وجود الهند ضمن هذه الصيغة، يقتضي بالضرورة -أو حتى كأسبقية سياسية وأيديولوجية- عضوية باكستان أيضًا.

ذلك الطرح بشكله ومضمونه، كان معناه توسيع وتعقيد إطار المشكلات التي يواجهها موضوع الأمن الخليجي، باستدعاء خلافات جديدة، هي الخلافات الهندية الباكستانية العميقة، لتكون جزءًا من عملية البحث عن صيغة جماعية موسعة للأمن الإقليمي.

كان الشعار الحاكم لكل المحاولات، والطروحات التي تناولت إيجاد صيغة للأمن الإقليمي، هو أن أمن المنطقة مسؤولية حصرية لدول الإقليم، بعيدًا عن تدخلات القوى الكبرى. وكان ذلك الشعار- في حينه – متوافقًا مع أدبيات المرحلة التي كان ينظر فيها للعلاقات السياسية والأمنية مع القوى العظمى، على أنها من الكبائر، التي يتعين تجنبها وعدم الاقتراب منها.

هذا الحال تبدل رأسًا على عقب بعد الثورة الإيرانية في عام 1979، التي غيرت معالم المنطقة بالكامل، خاصة بعد أن أدت تلك الثورة إلى اندلاع الحرب مع العراق، حين أظهرت إيران في تلك الفترة نوايا حقيقية، وقامت بخطوات عملية لتصدير الثورة للعراق، بشكل استفز بغداد التي أقدمت على حرب استباقية؛ لإجهاض ما اعتبرته مسعى إيرانيًا لتقويض النظام في بغداد، وإقامة بديل موال لطهران هناك .

لم يدرك الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو يعلن إلغاء اتفاق ترسيم الحدود مع إيران، والذي كان قد وقع برعاية من الرئيس هواري بومدين في الجزائر عام 1975، أن الحرب التي أرادها حربًا قصيرة تستغل الفوضى التي شهدتها إيران بعد الثورة، ستتحول إلى حرب استنزاف طويلة تستمر ثمانية أعوام.

على أن تلك الحرب وما عكسته من مخاطر على أمن منطقة الخليج، خاصة عندما بدأت إيران تستهدف ناقلات نفط دول الخليج، فرضت التفكير بأمن المنطقة من جديد، بعيدًا عن تجاذبات المراحل السابقة. وجاءت صيغة مجلس التعاون لدول الخليج العربية كبديل ممكن، يتجاوز العراقيل الإيرانية والعراقية التي حيدتها الحرب بين البلدين، دون الاتفاق على صيغة أمن جماعي إقليمية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com