الأردن على حافة الإرهاب

الأردن على حافة الإرهاب
كان البعض يتطلع لحزب جبهة العمل الإسلامي المنبثق عن الجماعة كنسخة أردنية من حزب النهضة التونسي. لكن الحزب الأردني كانت له أجندة أكبر ورؤية أوسع. صعد مطالبه ليصبح بقصد أو بدون قصد رافعة تؤجج مشاعر التطرف في بلد يقف على حافة الارهاب، أو يشكل معبرا له.

تاج الدين عبد الحق

لعلها المرة الأولى التي تطفو فيها على السطح خلافات بهذا العمق، وهذا الوضوح، بين جماعة الإخوان المسلمين والحكومة الأردنية. لكن المؤكد أن تلك الخلافات لن تكون الأخيرة وقد لاتنتهي، إلا بفك الارتباط المزمن بين الجماعة والنظام .

جماعة الإخوان التي تتصدر المعارضة السياسية في الأردن اليوم ، عبرت في مسيرتها المستمرة منذ ما يزيد عن نصف قرن عن روح ميكافيلية. أبقت على جسور علاقات متينة بالسلطة الأردنية. نالت منها حظوة لم ينلها أي فرع من فروع الجماعة المنتشرة حول العالم، فكانوا القوة السياسية الوحيدة في الساحة الأردنية، وترجمت حضورها على شكل تمثيل نيابي مستمر حتى في غيبة الأحزاب، أو توزيرمتواتر حتى في أحرج الأوقات.

وظلت الجماعة بعد أن فتح مجال العمل للأحزاب السياسية الأردنية، هي الأقرب للنظام، وذراعه الوحيد في الحياة الحزبية، الغائبة أو المغيبة، وكانت إما شريكة في الحكم أو معارضة مستأنسه له، ترضي بمغانمه عندما تكون شريكة فيه، ولا تدفع ثمنا للمعارضة عندما تكون في صفوفها.

وصلوا في الحكم إلى مناصب رفيعة مكنتهم من السيطرة على بعض المفاصل، التي قربوا فيها المحاسيب، وأقصوا منها الخصوم، وظلوا في المعارضة بعيدين عن دائرة الملاحقة والاستهداف. كانوا على الدوام من أدوات النظام، الذي نجح في أن يستثمر شعاراتهم، ويتكيء على أدبياتهم لجبر الخواطر حينا، أو تهدئه المشاعر أحيانا أخرى.

العلاقة بهذه الحدود كانت محتملة، واستمرارها كان ممكنا، لكن النظام لم يكن قادرا على هضم طموحات أخرى، حينما أخذت الجماعة تتطلع إلى أبعد من مشاركة معقولة، أو معارضة مستأنسة. وفيما كان النظام يرى في نشاطات الإخوان العابرة للحدود تهديدا، وجد إخوان الأردن فيها فرصة، ولم تعد برامج الجماعة أردنية، فقدموا التزاماتهم الحزبية الإقليمية على الهموم الداخلية، والمصالح الوطنية.

كان البعض يتطلع لحزب جبهة العمل الإسلامي المنبثق عن الجماعة كنسخة أردنية من حزب النهضة التونسي، الذي رفض أن تكون خلافاته في الساحة التونسية صدى لما يجري في الساحة العربية. لكن الحزب الأردني كانت له أجندة أكبر، ورؤية أوسع. صعد مطالبه التي تتلفع بشعارات دينية، ليصبح بقصد أو بدون قصد رافعة تؤجج مشاعر التطرف في بلد يقف على حافة الإرهاب، أو يشكل معبرا له.

انخرط في مزايدات سياسية لإحراج النظام، وهو يعلم أن إمكانيات المناورة محدودة، والبدائل المتاحة معدومة.

اعتقد الحزب ومن ورائه الجماعة، أن الأوضاع المتردية والظالمة في سوريا، والمطالب العادلة للمعارضة السورية، يمكن أن تكون ستارا لأنشطة حزبية ومزايدات سياسية، لكنه تناسى أنها فتحت الساحة الأردنية على أخطارغير مستعدة لها، ولا قادرة على مواجهتها.

في ظل هذه الأوضاع جاء اعتقال نائب المرشد العام للإخوان المسلمين في الأردن. ومع أن الهجوم على دولة الإمارات وانتقاد قرارها باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية هو السبب المعلن للاعتقال، إلا أن من الواضح أن هذا السبب ليس أكثر من ذريعة، وأن تصريحاته حول الإمارات، لم تكن سوى قشة قصمت ظهر بعير ينوء بحمل كبير من الأسباب التي تبرر مراجعة العلاقة مع الإخوان كتنظيم، والعلاقة برموزهم، وقياداتهم كأشخاص.

فتنظيم الإخوان في ضوء التطورات الجارية في الإقليم، يخرج من القمقم الأردني، ليشكل نشاطه رافدا لنشاط إقليمي يمثل خطرا على المنطقة برمتها، وتداعي الحكومات المستهدفة للجم هذا النشاط، هو استحقاق على الأردن مثلما هو استحقاق على الآخرين. ولذلك فإن الحكومة الأردنية والسلطات الأمنية عندما تبدأ باتخاذ إجراءات ضد الجماعة في الأردن تأخذها في إطار الجهد الإقليمي الذي لا يستهدف الإخوان كتنظيم فحسب، بل الإسلام السياسي كتوجه ومنهج. خاصة بعد أن أثبتت التجربة والوقائع أن منبع التطرف وأساسه هو التنظيمات التي حاولت تسييس الدين واستخدامه لتحقيق أغراض حزبية وتنفيذ أجندات سياسية.

إخوان الأردن يراهنون على الشارع لمواجهة “عين النظام الحمرا”. لكن النظام يعلم أن عينه الحمراء لا تستهدف الداخل، بقدر ما هي مفتوحة على الخارج . وهو يدرك أن هناك تفهما متزايدا في الشارع الأردني، بأن التهاون مع المزايدات الداخلية يفتح رياح الخطر الخارجي، وهو خطر لم يعد من قبيل الرجم بالغيب السياسي، بل خطر حقيقي بعد أن ظهرت تجليات له على الحدود في سوريا والعراق، وفي ما وراء البحار في ليبيا واليمن.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

محتوى مدفوع