الإمارات …عيد النظام أم عيد الناس

الإمارات …عيد النظام أم عيد الناس

المصدر: تاج الدين عبد الحق

العيد الوطني في الإمارات مختلف عن غيره في العديد من الدول العربية. هو عيد الناس قبل أن يكون عيد النظام تراه مجسَّدًا فرَحًا على الوجوه، قبل أن  تتبيَّن مظاهره في الشوارع والميادين. وتلمس معانيه بكل مظاهر الحياة اليومية، قبل أن تجده في كل الإنجازات التي تحققت، أو تتعرف عليه من خلال  الآمال التي ينتظرها الناس ويتطلعون لتحقيقها.

والعفوية التي يحتفل بها الإماراتيون حقيقية؛ نجدها واضحة في المنافسة الشديدة، على ابتكار أسباب الفرح، والتفنن في تجسيد مظاهره، في أشكال كرنفالية، وفي تنويعات من الفعاليات الجماهيرية التي تنتشر في طول البلاد وعرضها.

الذين جاؤوا إلى الإمارات بعد الاستقلال في الثاني من ديسمبر عام 1971، هم من يعرف الفرق بين ما كان، وما هو كائن الآن، بين واقع كلّ ما فيه يشي بالإحباط وقلة الحيلة، وحاضر مفعم بالحياة والحيوية.

 ولعل أبسط تلخيص يصف ذلك، نجده في مقولة “معازيبنا “الإنجليز (too good to be true) بمعنى أن مستوى جودة ما تحقق يكاد لا يصدق. وما تحقق من إنجازات على المستوى الوطني الجامع، تحقق مثله، بل وأكثر منه على المستوى الفردي.

التفاعل بين العام والخاص، تفاعل حقيقي وعفوى، فكل إنجاز وطني، يوفر قيمة مضافة لحياة الفرد، والهم الوطني مهما كان، ومهما عظم هو الوجه الآخر لهموم الناس، يشحذ هممهم، ويستفز طاقاتهم.

عندما بدأت المسيرة الإماراتية، كانت تمشي في ركاب تجارب عربية وعالمية عريقة سبقتها في الموارد والإمكانيات، وتجاوزتها في التجربة بمراحل عديدة، ومسافات مديدة. كان السباق مع هؤلاء أشبه بالسباق بين السلحفاة والأرنب.

كان شح الأساسيات الضرورية من ماء وطعام ودواء، لا يترك مساحة واسعة للحلم. وكان كل ما يحيط بالتجربة الاتحادية الوليدة يشي بالإحباط، وينذر بالخطر. كان السير بالتجربة أقرب للسير في حقل ألغام لا تعلم من زرعها ولا تعرف كيفية التعامل معها ولا تجنب خطرها.

في الداخل كما في الخارج كان التحدي كبيرًا، والمهمة صعبة. كيان سياسي، يخرج من ظلام استعمار طويل، ظلَّ عقودًا مديدة يبخل بتوفير الضروريات الحياتية، والمقومات المعيشية الأساسية، إلى فضاء الاستقلال والحرية التي كان يضن بها عليه الجوار القريب ويتبارى في إجهاضها والنيل منها، فيما الكبير البعيد يتربص بها مشككًا في إمكانيات استمرارها وفي قدرة الوطن الصغير على مواجهة التحدي وتأمين سبل البقاء والنجاح.

وطن يتوحَّد وهو لا يملك  في الداخل من المقومات إلا إرادة المخلصين ممن نذروا أنفسهم وحياتهم لتلك المهمة المستحيلة، وشعب ليس لديه ما يعينه على البقاء والتخلص من التبعية إلا أمل الوحدة .

في ذكرى قيام دولة الإمارات واستقلالها نستذكر بإجلال أولئك الآباء المؤسسين وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي استطاع بمثابرة لم تعرف الوهن، وإصرار لم يعرف الضعف أن يخلق في أقل من ثلاثة عقود، الدولة الأنموذج في كل شيء.. أنموذج الوحدة المستقرة، والتنمية العميقة للبشر قبل الحجر، والسياسة المتوازنة التي وضعته على رأس صفوة الحكماء الغيورين على وطنهم وأمتهم.

وبقدرالأمل الذي تُشيعه التجربة الإماراتية في نفوس أبناء الدول العربية، فإنها تبعث في الوقت ذاته، نوعًا من الحسرة، والأسى، على أوطان اختطفت من حكامها، وظلت حبيسة ممارسات فاشية، أفقرت البلاد والعباد، وأهدرت موارد وإمكانيات، لتخرج من معارك الاستقلال بأوطان ممزقة، ومن معارك التنمية والتحديث بالثالوث إيّاه: الفقر، والجهل، والمرض.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع