من يعطل العدالة في قضية خاشقجي؟

من يعطل العدالة في قضية خاشقجي؟

المصدر: تاج الدين عبدالحق

إذا كان لدى تركيا أدلة قاطعة، ومعلومات مؤكدة عمّن ارتكب جريمة اغتيال الصحفي السعودي المرحوم جمال خاشقجي، فإن المقتضيات الأخلاقية، والقانونية تقتضي منها، الإفصاح عن تلك الأدلة والمعلومات فورًا، وعدم المناورة والتلكؤ في إعلانها وتقديمها للعدالة.

التكييف القانوني، لهكذا موقف، هو تعطيل العدالة، وإخفاء أدلة، من شأن الإفصاح عنها مساعدة القضاء المختص على إنجاز مهمته، وتوفير المعطيات الكافية لتوجيه الاتهام للأشخاص والجهات المتورطة في الجريمة. لكن الواضح أن أنقرة تتعامل منذ البدء مع الجريمة كقضية سياسية خاصة بها، ووفق حسابات تتجاوز الوقائع المباشرة للجريمة، مع محاولة تصيد كل فرصة يمكن أن تحقق من ورائها كسبًا سياسيًا، أو سمعة إعلامية.

تركيا – إلى الآن – لا تزال تستثمر الارتباك الذي أظهرته الرياض في بداية الأزمة، وظلت تلعب منذ ذلك الحين، على وتر تناقض الرواية السعودية الأولى مع ملابسات الجريمة، وما أعلنته بعد ذلك، في روايتها الثانية، واعترفت فيه صراحة، أن فريقًا سعوديًا مؤلفًا من 18 فردًا هو من كان وراء الجريمة تدبيرًا وتنفيذًا، وأنها ستقدمهم للمحاكمة وتقتص من المذنبين منهم.

وبدلًا من أن تتعامل تركيا مع الرواية السعودية الثانية باعتبارها نوعًا من التطهر من الفعل، والتبرؤ من الجناة، وبدلًا من أن تجعل المعطيات التي قدمتها المملكة في روايتها الجديدة، أساسًا لتحقيق قضائي مهني مع الجناة، وسبيلًا لتحقيق العدالة، والاقتصاص من الفاعلين، والانتقام للضحية، فقد شككت أنقرة، من اللحظة الأولى بالرواية السعودية الجديدة، وحاولت تشويهها واعتبارها امتدادًا لروايتها الأولى، ونوعًا من الهروب من المسؤولية.

أنقرة ما طلت دون مبرر أخلاقي، وسند قانوني في الاستجابة لدعوة المملكة للتعاون في التحقيقات، وتجاهلت أن الرياض قطعت خطوة أساسية بتوجيه الاتهام لأشخاص محددين بالاسم، والصفة. وبدل أن تبني أنقرة على الرواية السعودية الثانية، وتستفيد منها وتضيف لها ما تملكه من معطيات وأدلة، حاولت التشكيك بالمعلومات التي قدمتها الرياض، واعتبرت التراجع السعودي عن الرواية الأولى، مبررًا للتشكيك بالرواية الثانية.

الجهات المختصة في المملكة، تملك المعطيات الحقيقية للجريمة من خلال الاعترافات المتوفرة لديها، والتي تضفي على الاتهامات الموجهة للمشتبه بهم، الصدقية القانونية والأدبية، وتؤكد في الوقت نفسه توافر إرادة حقيقية لمعاقبة الجناة، والاقتصاص منهم.

في مقابل ذلك، فإن تركيا تحاول استثمار الجريمة استثمارًا سياسيًا وإعلاميًا. فما يتم تداوله في الاجتماعات السياسية التي تجمع المسؤولين الأتراك بنظرائهم في الدول الأخرى معلومات مجتزأة ومشوشة، لا تقدم ولا تؤخر على صعيد إجلاء الحقيقة، وتحديد أبعاد الجريمة. وكل ما ينتج عنها قعقعة إعلامية لن تغير من مسار ووقائع القضية، ولا في تكييفها القانوني.

ولعل من الغريب، أن دولة تدعي حرصها على تحقيق العدالة، وعلى الوصول للجناة والقتلة والمسؤولين الذين خططوا للجريمة – كما تقول – عبر تحقيق شفافٍ بعيدٍ عن التسييس، يلجأ رئيسها، إلى منبر إعلامي؛ لتقديم مرافعة خالية من الوقائع والأدلة، وأن يوجه اتهامات، ليس لها من هدف إلا تشويه صورة المملكة، وتأليب الرأي العام العالمي عليها، بدل أن يتوجه بروح المسؤولية الأدبية والأخلاقية، بما يملكه من أدلة، ومعلومات إلى ساحات القضاء، والتعاون في هذا الشأن مع السلطات السعودية التي تملك دون غيرها حق محاكمة الجناة، والتي لديها أكثر من غيرها، أدلة واعترافات تشكل أساسًا صلبًا لتوجيه اتهام قانوني حقيقي له صدقية فعلية.

تخطئ تركيا الحساب إن هي اعتقدت أن حملة التشويش التي تقودها، من خلال تسريبات بالقطارة لمعلومات واجتهادات، لا سند حقيقيًا لها، يمكن أن تغير من التكييف القانوني للجريمة. فأي محاولات تركية لن تكون لها – مهما بدت مثيرة من الناحية الإعلامية – مصداقية ما تقدمه التحقيقات السعودية من اعتراف يبقى سيد الأدلة ولا يمكن تجاوزه أو التشكيك فيه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع