هل فات أوان تنازل إيران؟

هل فات أوان تنازل إيران؟

المصدر: تاج الدين عبد الحق

لن يصل تأثير تشديد العقوبات الأمريكية على إيران، إلى ذروته في اليوم التالي لبدء تطبيق هذه العقوبات، فمن الواضح أن لدى إيران بعض أوراق المناورة التي تسمح لها بالصمود عدة أشهر، قبل أن تبدأ مفاعيل الإجراءات الأمريكية بخلخلة بنية النظام الإيراني وهز مفاصله.

ما حدث خلال الأشهر الماضية من تأثيرات استباقية للعقوبات الجديدة، لا يعكس المدى الكلي الذي يمكن أن تصل إليه، أو المستوى المنتظر منها، ففي نظر الاقتصاديين فإن ما أصاب الاقتصاد الإيراني حتى الآن هو جزء من الإجراءات الاحترازية والوقائية، التي تتخذها الدول في الأزمات خاصة تلك التي تعكس نفسها على الشارع، وتؤثر على شرائح واسعة من المجتمع.

القسط الأول من تأثير العقوبات الأمريكية تحقق بالفعل، عندما انخفض سعر صرف التومان الإيراني إلى مستويات غير مسبوقة، مشعلًا حالةً من التضخم التي عكست نفسها على الأسعار والأحوال المعيشية  للإيرانيين .

ولم يكن بمقدور المكابرة التي أبدتها طهران تجاه التأثير المحتمل للعقوبات، أن تحد من حالة الغضب الشعبي التي عمَّت الشوارع والمدن الإيرانية، منذرَة بتطورات قد تنتهي بإطاحة النظام، وبحروب أهلية لا يعلم أحد إلى أين تنتهي وما هي الكلفة المتوقعة لها.

العقوبات التي تُفرَض على إيران هذه المرة مختلفة وغير مسبوقة، فهي تطال قطاعي النفط والبنوك اللذين  طالما ظلا بعيدين عن العصا الأمريكية الغليظة، وأتاحا لإيران القدرة على احتواء تأثير العقوبات لسنوات عديدة، وساعداها في تسويق فكرة المظلومية التي تتعرَّض لها من قبل ما تسميه قوى الاستكبار العالمي.

طهران دفعت ثمنًا باهظًا خلال تلك الفترة؛ إلا أنها ظلت قادرة على الصمود مستفيدة من الثغرات العديدة الواردة في حزمة العقوبات الأمريكية السابقة، والتي لم تتأثر بها في ذلك الوقت قطاعات منتجة  كثيرة.

اليوم تختلف الصورة كليًّا، سواء من جهة حجم العقوبات أو من جهة آليات تنفيذها والمراقبة عليها، فضلًا عن حجم الأعباء التي ستتحملها إيران، على نحو يحرمها من أي مساحة للمناورة، خاصة لجهة الاستمرار في لعب دور إقليمي لم يعد مقبولًا من دول الجوار ولا مستساغًا من قِبل المجتمع الدولي .

 في مواجهة العقوبات الجديدة، تعوّل إيران على عدة أمور، أهمّها الخلافات القائمة بين الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، التي اعترضت على القرار الأمريكي المنفرد بإلغاء الاتفاق النووي معها، كما أنها تعوّل على شراء بعض الوقت من خلال استثمار البقية الباقية من الأرصدة النقدية الإيرانية، ومن خلال  بيع بعض الصادرات النفطية التي سمحت بها قائمة العقوبات الجديدة، والتي ستتمكن من خلالها من تصدير كميات محدودة من نفطها لدول منتقاة ضمن إعفاءات أمريكية مؤقتة لأسباب تتعلق بعلاقات طهران بهذه الدول أو لظروف سياسية واقتصادية خاصة بها.

قليلون هم الذين يعتقدون أن إيران يمكن أن تصمد هذه المرة دون تقديم تنازلات سياسية أبعد من كل ما سبق أن قدمته، فالنظام الإيراني كله أصبح في الميزان، ولغة العقاب اللينة التي مورست على إيران، تتحول الآن إلى إجراءات قاسية لا تطال مؤسسات النظام ورموزه فقط، بل تحفز شرائح وقوى سياسية واجتماعية لملء الفراغ وتصحيح المسار.

والظاهر أن خيارات النظام محدودة جدًّا هذه المرة، فإما أن يستمر في المكابرة التي يدفع ثمنها من قوت الإيرانيين وأمْنِهم، أو أن يقدّم تنازلات تكشف عورته، وتفضح سياساتٍ طالما تمسَّك بها باعتبارها ضرورة وطنية، وفي كلا الحالين فإن رهان النظام سيكون خطِرًا ومكلفًا أو ربما يكون فاشلًا.

فالتنازلات التي يمكن أن تكون مقبولة من الولايات المتحدة وقوى إقليمية متحالفة معها، ستتضمن تحجيم الدور الإيراني لا في المجال النووي فقط بل في مجال الصناعات الحربية الصاروخية والتقليدية أيضًا، فضلًا عن التخلي عن الطموحات الإقليمية التي أثَّرت على الأمن والاستقرار في المنطقة.

وليس سرًّا أن ثمة من يتوسط بين واشنطن وطهران بشكل غير مباشر، حتى بعد انتهاء مهلة تجديد العقوبات، لتحديد طبيعة التنازلات المطلوبة من إيران ومداها، ولعل في التصريحات الأمريكية التي أطلقتها إدارة الرئيس ترامب عشية البدء بتنفيذ العقوبات، ما يشير إلى أن باب التنازلات لا يزال مفتوحًا، وأن بدء تنفيذ العقوبات الجديدة لا يعني أن المراجعة غير ممكنة، وأن وصول الجانبين لاتفاق متأخر خير لإيران من انتظار تراجع أمريكي غير ممكن أو مستحيل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع