ماذا تذكر البارون في موسكو؟ – إرم نيوز‬‎

ماذا تذكر البارون في موسكو؟

ماذا تذكر البارون في موسكو؟

المصدر: سمير عطا الله

كم مرة قرأت – أو سمعت – عن دخول نابليون إلى موسكو؟ هل تكتشف كل مرة شيئاً جديداً؟

فلنعد إلى القصة من أولها: عام 1812 قرر إمبراطور فرنسا، مخموراً بنفسه، أن يحتل الإمبراطورية الروسية. هكذا أعدَّ حملة عسكرية تبدأ في موسكو، لكنه أرسل قبله قوة استطلاعية بقيادة ملك نابولي. فأرسل هذا إلى الإمبراطور أن المدينة بدت خالية أو مهجورة. لقد أفرغها الجيش الروسي من السكان ولم يبق فيها إلا أدنى طبقات الفقراء.

توقف نابليون ليلة 14 سبتمبر (أيلول) عند طرف المدينة، ومشى عليها في اليوم التالي.

لا صخب ولا ضجيج، ولا صوت سوى صوت عربات مدافعه. البيوت على جانبي الطرقات مغلقة الأبواب والنوافذ. كذلك القصور والكنائس. جميعها دلائل على ازدهار المدينة.

توجه الإمبراطور مباشرة إلى الكرملين: قلعة ضخمة قائمة على تلة في وسط المدينة محاطة بالأسوار والأبراج التي تطل منها المدافع. الكرملين مدينة في قلب مدينة. إنها تضم القصر الإمبراطوري، وقصر مجلس الشيوخ، ومخازن السلاح والمباني الرسمية الرئيسية، وعدداً من الكنائس والمعابد المليئة بمنحوتات تاريخية وأدوات التتويج وغنائم أخذت من الأتراك (…). «ما إن دخل الإمبراطور الكرملين حتى اشتعلت النيران في الحي الصيني، المليء بالبضائع والفراء.

وخلال ثلاثة أيام، التهمت النيران ثلاثة أرباع موسكو. امتدت النار إلى كل بيت في المدينة التي تحولت إلى فرن هائل تصل أضواؤه حتى الأفق. وساعدت في اتساع اللهب ريح هبَّت فجأة، بالإضافة إلى المواد الحارقة التي راحت تتفجر. ثم اختلط صوت اللهيب بصراخ الفقراء الذين دخلوا البيوت لكي ينهبوها. وقد نجا البعض منهم وإنما ليحترقوا في الشوارع. في يأس ورهبة تأملنا هذا المشهد ونحن غير قادرين على فعل أي شيء».

هذا النص وضعه البارون كلود فرنسوا دونيرفال، أحد ضباط نابليون في الحملة التي فقد فيها نابليون نصف جيوشه (380 ألفاً) والروس نحو 210 آلاف جندي، وعرفت تلك الحرب باسم خطة «الأرض المحروقة»؛ إذ دخل نابليون ووجد أن الروس لم يتركوا له سوى الرماد. أين العنصر «الجديد» في الأمر؟ يقول صاحب النص وهو يصف موسكو عشية دخول نابليون، «إنها كانت هادئة وهانئة مثل مدينة عربية من مدن ألف ليلة وليلة».

ماذا لو كان يبحث عن تشبيه مقارن اليوم؟ أي مدينة يختار لوصف الهناء والسكون؟ بغداد، مسرح «ألف ليلة وليلة» الأول، أم دمشق؟ أم «اليمن السعيد»؟ أم مدينة الحياة والتجارة والأسواق في حلب؟ تناقل الغرب والشرق حكايات ألف ليلة على أساس أنها نماذج للفرح والمغامرة والحكمة المبطنة والتسالي التي لا نهاية لها.

تلك كانت صورة الحياة العربية. يتطلع نبيل فرنسي في قصور موسكو وهدوئها وبيوتها فلا يتذكر سوى المدينة العربية السعيدة التي تسكن مخيلته منذ طفولته. سعيداً سكن التاريخ مخيلاتنا. حكايات النبل والكرم والعفو والشهامة والنجدة. حكايات عصور الحياة.

(الشرق الأوسط)

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com