“فشة خلق” قطرية ضد السعودية

“فشة خلق” قطرية ضد السعودية

المصدر: تاج الدين عبد الحق

ليست هي المرة الأولى، التي يعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته الطلب من حلفائه دفع كلفة الأعباء العسكرية والمادية التي تتحملها الولايات المتحدة؛ نظير انتشار قواتها في العديد من المناطق حول العالم.

فهو صاحب نظرية “أمريكا أولًا”، التي لم يجرؤ رئيس أمريكي على طرحها منذ الحرب العالمية الثانية، بعد أن دفعت واشنطن ثمنًا باهظًا لسياسة العزلة أو النأي بالنفس عن النزاعات الدولية.

وبعيدًا عن سذاجة النظرية التي يتبناها ترامب في علاقته الدولية، فإن الطريقة المسرحية التي يطرح بها الرئيس الأمريكي نظريته تلك، أو غيرها من النظريات والمواقف، التي تثير الجدل والاستغراب، وفرت فرصة لبعض المتصيدين، لتصفية حساب معلق هنا، أو التشهير بآخر هناك.

ترامب في معرض الترويج لنظريته القائمة على مقايضة الدور الأمريكي حول العالم بالمال، تحدث عن طلبه من حلفائه – ومن بينهم السعودية – دفع مبالغ نظير أي حماية قد تطلبها هذه الدول من الولايات المتحدة لمواجهة الأخطار التي قد تلحق بها.

الدوحة التي لم تر فيما قاله ترامب أي سذاجة سياسية، أو مغالطات في الوقائع والشواهد، تلقفت التصريحات باعتبارها وثيقة إدانة للمملكة العربية السعودية، ودليل إهانة لها، ومظهرًا من مظاهر الابتزاز الذي تمارسه الإدارة الأمريكية، “برضى المملكة وقبولها، أو برضوخها مرغمة، وكأنها مسلوبة الإرادة”.

تجاهل القطريون، – في  تفسيرهم – أن تصريحات ترامب، جاءت في سياق حديث عن طيف واسع من حلفاء واشنطن، الذين قال عنهم إنهم يتلقون دعمًا عسكريًا بدون مقابل، وإنه آن الأوان أن يدفعوا ثمنًا للمعونة العسكرية الأمريكية، ذاكرًا في هذا السياق: اليابان وكوريا الجنوبية وحلفاء آخرين في أوروبا.

سَوق القطريون ما قاله ترامب، على أنه إهانة للمملكة العربية السعودية، وأن التصريحات التي قيلت في اجتماع عام وأمام الملأ، هي “تعبير عن اتفاق سري”، تدفع فيه الرياض ثمن حماية أمريكية مزعومة.

تجاهلت الدوحة في معرض احتفائها بتصريحات ترامب، أنها تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، وهي القاعدة الأمريكية في العديد، وأنه إذا كان لأمريكا أن تطلب ثمنًا لأي دعم عسكري، فإن الدوحة ستكون على رأس القائمة، هذا إن لم تكن تدفع هذا الثمن منذ زمن بعيد.

الحصافة السياسية خانت الدوحة وهي تحتفي “بالصيد الثمين “، الذي التقطته من تصريحات ترامب، باعتباره “إهانة غير مسبوقة للمملكة”.

فالذي يتابع العلاقات الأمريكية مع العالم الخارجي، يعلم أن الدعم العسكري الأمريكي لم يكن في يوم من الأيام تبرعًا من الولايات المتحدة لحلفائها، بل كان أساسًا دفاعًا عن أمن أمريكا ذاتها، وأنها منذ الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر في عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، لم تعد تتعامل مع الأزمات الدولية بمنطق العزلة القديم، فكانت مشاركتها الفعالة في الحرب على النازية في أوروبا، ومشروع الدعم الاقتصادي لأوروبا بعد الحرب، والمعروف بمشروع مارشال، بل إن هذه السياسة سرعان ما تطورت إلى حد التدخل المباشر في نزاعات دامية كلفتها خسائر بشرية ومادية باهظة، مثلما حدث في فيتنام وغيرها من دول شرق آسيا، ثم أفغانستان والعراق وغيرها من مناطق التوتر والنزاعات حول العالم.

إلى ذلك، فإن الدوحة تعامت عن الرعونة والسذاجة التي اتسمت بها تصريحات ترامب، والتي أصبحت لتعدد سقطاتها مجالًا للسخرية والتندر في كثير من وسائل الإعلام والسوشال ميديا، وتناست أن الولايات المتحدة تأخذ منذ زمن بعيد ثمنًا غير مباشر، من حلفائها، – ومنهم الدوحة نفسها – على شكل مبيعات لمعدات عسكرية وصفقات تجارية، ما كان لواشنطن القدرة على الفوز بها، والحصول عليها، لولا علاقة الشراكة الأمنية والسياسية التي تربطها بأولئك الحلفاء.

الدوحة التي وجدت في تصريحات ترامب ” فشة خلق ” ضد السعودية، لم تستطع توجيه بوصلة انتقادها للاتجاه الصحيح، الذي يشير إلى أن الرئيس ترامب يحول الولايات المتحدة إلى دولة من دول العالم الثالث، وهي تتحدث عن مصالحها الضيقة، بنفس منطق كثير من الدول الصغرى التي تسعى إلى خلاص فردي من أزماتها، فتنأى بنفسها عن أزمات الدول المجاورة لها أو العالم المحيط بها، حتى وهي تعلم أن مثل هذا النأي غير ممكن في عالم تتداخل مصالحه وتتشابك همومه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع