دون كيشوت يحارب مع داعش

دون كيشوت يحارب مع داعش

تاج الدين عبد الحق

تتركز معظم التعليقات التي تتناول ما يكتب عن تنظيم داعش، أو غيره من ظواهر التطرف في العالم العربي، على أن ما يطرح من كتابات في هذا المجال، هو نوع من الترويج للمؤامرة التي يتعرض لها العالم العربي والإسلامي، ومحاولة للنيل من القوى التي تتصدى لتلك المؤامرة..

والمفارقة أن التفسير التآمري لايقتصر، على المتعاطفين مع تنظيم داعش أوالإسلام السياسي عموما، بل يشمل منتقدي التنظيم، والمعادين له أيضا.

المتعاطفون الذين يخلطون بين الدين كفكر ومنهج، وبين من يختطف الدين، ويفسره على مقاسه وتبعا لأهوائه ومصالحه، يرون ابتداء أن استهداف التنظيمات الإسلامية هو استهداف للإسلام نفسه، ومحاولة لعرقلة صعوده، معتبرين أن ما يقوم به التنظيم هو تهديد لمصالح الغرب، وعلاج شاف لمشاكل العالم الإسلامي، كما أنه دواء ناجع لمواجهة أزماته القديمة والجديدة، بدءا من أزمة الاحتلال الذي يبدأ بفلسطين وقد لا ينتهي قبل استعادة الأندلس، ومرورا بالتخلص من الأنظمة الفاسدة، ووصولا إلى استعادة المجد الإسلامي الغابر، وتوحيد العالم الإسلامي المفكك.

أما الذين يرون في داعش وغيرها من التنظيمات الإسلامية المسلحة، تهديدا للاستقرار وعامل تأجيج للطائفية والمذهبية، ومقدمة للتقسيم والتفتيت، فإنهم غالبا ما يرون تلك التنظيمات، كأدوات سابقة الصنع، وتعبيرات مأجورة للمؤامرة الكبرى التي يتعرض لها العالم العربي والإسلامي، وشكل من أشكال الفتنة المستمرة منذ قرون، والمتجددة على وقع ما يمر به العالم من تطورات وتغيرات.

من حيث المبدأ فإن رفض ما يقوله المتعاطفون مع التنظيمات المتشددة، وانتقاد ما يقوله المشككون فيها وبدورها، لا يعني رفض فكرة ما يصطلح عليه ”التفسير التآمري“ لحركة التاريخ، كما أنه لا يهدف للتقليل من أداوار الدول والأشخاص. فعلى الدوام كان هناك تأثير لأشخاص وقوى وتنظيمات، في مسار الأحداث، وبسببهم ومن خلالهم تغيرت مواقف، وتبدلت أوضاع وأحوال.

المشكلة فيما يخص العالم العربي والإسلامي تكمن في إحساس كثيرين، بأن العالم العربي هو محور الكون، وأساس الحركة السياسية، والاقتصادية للعالم، وأن كل ما يحدث حولنا من تطورات وما نراه من حروب ومواجهات هو صدى لحالة التنافس المزمنة من أجل السيطرة على منطقتنا سياسيا، لمنعها من استعادة دورها ومكانتها، والسيطرة عليها اقتصاديا، لاستنزاف مواردها وخيراتها.

نتفق على أن العالم العربي، من الساحات الرئيسية للمواجهة مع الغرب، الذي بذل جهدا كبيرا للإبقاء على سيطرته السياسية والاقتصادية على المنطقة منذ قرنين على الأقل، وأنه ساهم في زرع الكيان الإسرائيلي في الأرض العربية، ومده بكل مقومات بقائه، واستمرار عدوانه، وتوسيعه كلما أمكنه ذلك. لكن الإحساس الطاغي بأن لنا قرصا في كل أزمة، وأننا ضحية لكل حرب أو مواجهة، هو إحساس مرضي كإحساس الفارس الإسباني العبيط ”دون كيشوت“ الذي اعتقد أنه محاط بالأعداء، وأنه بسيفه الخشبي قادر على مواجهة أعدائه والانتصار عليهم، والنيل منهم مهما ابتعدوا، والاقتصاص منهم مهما بلغوا.

لن نقلل من الأهمية الإستراتيجية للعالم العربي ولا من أهمية ما في أرضه من موارد وخيرات، لكن أزمات العالم لم تبدأ من هنا، ولن تتوقف هناك، فالعالم مر ويمر بحروب وأزمات لم يكن للعالم العربي فيها ناقة أو جمل.

سننسى الحروب الدينية، وحروب القارة الأوروبية العجوز، وسنترك الحربين العالميتين الأولى والثانية التي اندثرت بسببهما قوى، وقامت على أنقاضهما قوى أخرى، ولن نتحدث عن الحرب الكورية وحرب فيتنام وكمبوديا التي حصدت ملايين البشر، ولن نتوقف عند الحروب التي استنزفت موارد ومقدرات أمريكا اللاتينة ، ولا الحروب الأهلية التي تترك إفريقيا منذ سنوات عديدة، نهبا للجوع والفقر والمرض، لكننا سنتوقف عند المواجهات التي أدت إلى اندثار الاتحاد السوفياتي وتفككه، وإلى الحروب التي نشأت بين المكونات التي يتركب منها، والتي ما يزال بعضها قائما إلى الآن. لنتساءل هل هذه الحروب جزء من مؤامرة العالم علينا، وهل من المعقول أن نتجاهل كل تلك الحروب باعتبارها حروبا هامشية للمؤامرة الكبرى التي يتعرض لها عالمنا العربي والإسلامي، والتي نبرر بها ”حرب داعش الدونكيشوتية“ لإحياء الخلافة الإسلامية، واستعادة المجد الإسلامي التليد!

إن الاستسلام لفكرة المؤامرة بهذا الشكل لا يعني الاستهزاء بالعقول فحسب، بل صرف الانتباه عن المعارك الحقيقية التي علينا التصدي لها، وهو بهذا المعنى محاولة لإبراء الذمة وتبرير التقصير، وإلقاء اللوم على الخصوم. كما أن هذا الاستسلام يعني تضخيما مرضيا وخادعا للذات، وعلى طريقة دون كيشوت الذي كان يتوهم عدوا ويتوهم تحقيق نصر زائف عليه، مع فارق بسيط، لأن الفارس الإسباني كان قصة وأسطورة مسلية، فيما داعش كابوس يقض مضاجعنا، ويلونها بلون الدم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com