المعركة الأخيرة في الأزمة السورية

المعركة الأخيرة في الأزمة السورية
المعارضة السورية في معقلها الأخير لا تخوض حربًا مع النظام وحلفائه فقط؛ بل قد تضطر لخوض مواجهات مع الفصائل المنافسة أو حتى مع الحلفاء الإقليميين الذين كانت تعتمد عليهم سياسيًا وعسكريًا.

المصدر: تاج الدين عبد الحق

بين تسوية سياسية غير مؤكدة ومعركة عسكرية غير مأمونة، تكتب محافظة إدلب الفصل الأخير في الأزمة السورية ككل.

المعارضة السورية في معقلها الأخير، لا تخوض حربًا مع النظام وحلفائه فقط، بل  قد تضطر لخوض مواجهات مع الفصائل المنافسة، أو حتى مع الحلفاء الإقليميين الذين كانت تعتمد عليهم سياسيًا وعسكريًا، بعد أن سار هؤلاء في درب التسوية السياسية، والمصالحات الميدانية برعاية وإدارة الدب الروسي .

وحسب خريطة المواجهة السياسية والعسكرية المنتظرة في إدلب، فإن جبهة النصرة أو “جبهة فتح الشام” – كانت غيَّرت اسمها تجنبًا لتصنيفها منظمة إرهابية- تسيطر على الجزء الأكبر من المحافظة، كونها الأقوى عسكريًا عدةً وعديدًا، وكانت تاريخيًا الأكثر ارتباطًا بالقوى الإقليمية التي ساهمت في تصنيعها ورعايتها.  وهي في ظل التحضيرات الجارية للمواجهة العسكرية، ووفق ما يرشح من مواقف دولية وإقليمية تواجه خيارين أحلاهما مر:

إما القبول بحل نفسها طواعية بشكل يقرّب من الاستسلام العسكري، والانخراط في مساومات سياسية صعبة، تسمح لها بالحصول على جزء من الكعكة التي تعدّها روسيا بين من يصنفون كتنظيمات معتدلة وبين النظام السوري.

وإما خوض حرب وجود عدمية بلا أفق سياسي، ولا حظوظ فيها لتحقيق إنجاز عسكري يؤثر في ميزان المواجهة القائمة حاليًا، وفي حظوظ التنظيم في البقاء لاعبًا ضمن المعادلة السياسية أو العسكرية للأزمة السورية .

معظم المؤشرات تقول، إن فرص التسوية السياسية في إدلب، هي الأغلب، خاصة بعد أن انحازت  تركيا إلى روسيا واعتمدت تصنيف جبهة النصرة أو فتح الشام كجماعة إرهابية، معتبرة أن لا مجال للتعامل معها إلا باستئصال وجودها سياسيًا، وتصفيتها عسكريًا.

روسيا، التي تتولى طبخ التسوية المنتظرة، بارعة في استدراج التنظيمات المسلحة وفصائل المعارضة عمومًا إلى مصالحات تنتهي بتحجيم وتقزيم دور تلك الفصائل والتنظيمات وحصر وجودها في أماكن محددة، وتجفيف مصادر إمدادها، وتزويدها بالمعدات.

ومناطق خفض التوتر شاهد، ومثال حيّ على نجاح موسكو في تقليم أظافر التنظيمات المسلحة التي أخذت تتخلى تدريجيًا عن أماكن سيطرتها والتراجع من خلال اتفاقات ميدانية إلى الجيب المحاصر في إدلب. وبدلًا من أن يثير ذلك الجهد الروسي حفيظة القوى الإقليمية والدولية المنخرطة بشكل أو آخر في الأزمة السورية، لاقت تلك الاتفاقات العسكرية ترحيبًا صريحًا أو ضمنيًا من داخل الإقليم وخارجه، ليمضى المخطط من نجاح إلى نجاح حتى بات النظام مسيطرًا والقوى الحليفة معه على معظم الجغرافيا السورية؛ بعد أن كانت حدود سيطرته لا تتجاوز 10 في المائة من أراضي الدولة.

في محطة المواجهة الأخيرة يميل الميزان العسكري والسياسي بوضوح لصالح النظام، ولا يبدو أن أمام الفصائل المنتشرة في إدلب غير خيار المصالحة، خاصة بعد أن أعلنت تركيا تخليها عن جبهة النصرة أو فتح الشام وصنَّفتها منظمة إرهابية.

ولا يبدو أن الروس أو السوريين في عجلة من أمرهم لحسم الموقف عسكريًا، وهم يتريثون في استخدام القوة، لا بذريعة الخوف على المدنيين كما يقال، بل  لتوافر عناصر مواتية  تسمح بتحقيق تسوية سياسية نظيفة. فالخوف من إلحاق خسائر بالمدنيين—حتى لو كان صحيحًا – تتحمل وزره الفصائل المسلحة التي ترفض التسوية والمصالحة، وبدَلَ أن يكون المدنيّون ورقة مساومة  في يد التنظيمات، سينظر لهم كدروع بشرية لتنظيمات خارجة على الإجماع .

على أن انتظار التسوية لا يعني أن الضغط العسكري من النظام وحلفائه سيتوقف، إذ يمكن أن يأخذ شكل عمليات محدودة هنا وهناك، تؤدّي -في النهاية-  إلى تغير في تموضع قوات النظام، بالشكل والمدى الذي يزيد من الضغط على الفصائل المسلحة للقبول بالمصالحة بشروط أقسى ومطالب إضافية، غير تلك التي تُعرض عليهم حاليًا .

حَسْمُ المعركة في إدلب لا يحسم الأزمة السورية ككل، فالمعركة السياسية المنتظرة بعد إدلب، لا تحددها النتائج العسكرية، ولا مصالح الأفرقاء المحليين،  فالفصول الأخيرة لتسوية الأزمة، والتي بدأت بمناطق خفض التوتر، ومرّت بالإخلاء المتبادل بالأتوبيسات الخضراء، والتي تنتهي بالمصالحات مع النظام،  لم يصنعها العمل العسكري، بل كانت نتاج توافقات سياسية بين الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة، وبالتالي فإن الحلول السياسية النهائية ستكون صدى لتلك التوافقات وليس ما نتج عنها من تغيرات ميدانية .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

محتوى مدفوع