المنطقة المصرية العازلة وأسطورة الأنفاق

المنطقة المصرية العازلة وأسطورة الأنفاق

المصدر: تاج الدين عبد الحق

إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود بين مصر وقطاع غزة، فيه فائدة للقطاع، أكثر مما فيه فائدة لمصر. قد يكون هذا مفاجئا وصادما للبعض، وقد يثير سخرية البعض الآخر ممن سيجد فيه شيئا من مقولة غوار الطوشة في المسرحية الشهيرة ”ضيعة تشرين“ وهو يبرر هزيمة 67عندما وصل في تبريره للهزيمة حد وصفها بأنها انتصار، لا لشيء إلا لأنها لم تقوض أنظمة الحكم العسكرية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.

وبعيدا عن هذا الانطباع السريع، الذي قد يثيره القرار المصري، فإن المنطقة العازلة، كما هي حل أمني حاسم لمصر، هي أيضا وسيلة ممكنة لإخراج قطاع غزة مما هو فيه، وهي بصورة أو أخرى، مقدمة لتعاط أكثر نضجا، مع أزمات القطاع الناتجة عن استقلال غير ناجز، أو احتلال غير ظاهر، كما أنها قد تكون بداية تخرج غزة من دوامة التسويات المؤقتة، والملفقة، إلى أفق الحلول الممكنة.

المنطقة المصرية العازلة، بكل ما يمكن أن يقال فيها، تعيد تكييف مشكلة القطاع، وتعيد تسميتها، بدءا من مشكلة الاحتلال، الذي يتخفى وراء انسحاب زائف، يقف خلف الأبواب، ومقاومة ضعيفة، تسمح له بالإياب، ومرورا بمعضلة الانقسام التي كرست التباعد الجغرافي بعد الطلاق السياسي، وانتهاء بالمشاكل الحياتية واليومية، التي يعاني منها الغزيون، إما بفعل الاحتلال القائم أو على وقع الإنقسام السائد.

بهذه المعاني فإن قرار إنشاء المنطقة العازلة، ليس تجاوزا من مصر، و ليس عقابا لغزة. والذين استنكروا القرار المصري واعتبروه تجاوزا من مصر استنكروه، لأنهم لا يأبهون للضرورات الأمنية، ولا يكترثون لالأولويات الوطنية المصرية. أما الذين وجدوا فيه عقابا لغزة، فإنهم لم يتحركوا انتصارا لمتاعب الغزيين وآلامهم بل كانوا يتحركون بدوافع، وحسابات حزبية طارئة، أو مواقف إيديولوجية مسبقة.

التأثير المباشر لإنشاء المنطقة العازلة بين مصر وغزة، ليس له نتائج عملية، وانتقاده أو مهاجمته، ليس أكثر من مماحكة سياسية أو مواقف حزبية. لأن الذين ينظرون إلى هذا العازل كتهديد لقدرات المقاومة، وكشكل من أشكال التضييق عليها، يربطون هذه المقاومة بمكون واحد من مكوناتها وهو الجانب العسكري ويربطون فعاليته ونجاحه بالأنفاق.

ومع الافتراض بأن هذه الأنفاق كانت منافذ إمداد المقاومة بالسلاح، وأنها لم تستخدم‘ إلى جانب ذلك لتسمين قوى حزبية، وفرض أتاوات على البعض، أو تسهيل فساد البعض الآخر.

ومع الافتراض بأن هذه الانفاق لم تستخدم كورقة في الحسابات الحزبية والأمنية الإقليمية التي أضرت بالأمن المصري، فإن تلك الأنفاق من الناحية الموضوعية كانت من أسباب زيادة معاناة الفلسطينيين أنفسهم في القطاع، وظلت تبريرا جاهزا لعدوان الإسرائيليين، وسببا من أسباب تخاذل المجتمع الدولي في نصرة الغزيين والتخفيف عليهم.

ومع تقديرنا لتضحيات المقاومين الذين تصدوا للعدوان الإسرائيلي المتكرر، ومع إيماننا المطلق بحق الفلسطينيين الكامل بمقاومة الاحتلال بكافة الأساليب، إلا أن ربط هذه المقاومة، حصرا بالأنفاق، فيه ظلم للمقاومة، وانتقاص من قدرتها على التجدد والابتكار بما يتناسب مع ظروف كل مرحلة، وبما يجنبها الأنماط البالية والأجندات الضيقة.

قد تكون ظاهرة الأنفاق قد ساهمت في مرحلة ما، ومكان ما، في تعزيز قدرة المقاومة ، لكن ذلك لا يعني إغفال ما سببته تلك الظاهرة من نتائج سلبية في مرحلة تالية، لا على الأمن المصري فقط بل ما نتج عنها من تداعيات على صعيد المعاناة الفلسطينة في القطاع، وعلى صعيد الصورة العامة للقضية الفلسطينية.

فقد أعطت هذه الأنفاق للإسرائيليين، فرصة تبرير العدوان، والإفلات من العقاب مرة بعد أخرى. ووجد الاحتلال في ما يصل القطاع من سلاح عبر تلك الأنفاق تعزيزا لخطابه السياسي، والإعلامي، وتبريرا لعدوانه العسكري، بل وفي عقد مقارنة ظالمة، وغير عادلة، بين آلته المدمرة وبين العتاد القليل الذي يصل فصائل المقاومة عبر قنوات التهريب.

القرار المصري بإقامة منطقة عازلة، ظاهره عقابي، وجوهره مراجعة ناضجة لحالة شاذة، وقد يوفر بعد تنفيذه أساسا لعلاقة أكثر استقرارا، وأمتن جسورا، مع القطاع، تحفظ للمصريين أمنهم، وتخفف عن الفلسطينيين معاناتهم، وتقوي من صمودهم في أرضهم، وهو صمود قد لايقل أثره في المدى الطويل، عن أثر الصواريخ التي خلقتها أسطورة الأنفاق.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com