إيران بين سراب تصدير الثورة وتفاقم الأزمات

إيران بين سراب تصدير الثورة وتفاقم الأزمات

المصدر: تاج الدين عبدالحق

تنكفئ إيران سريعًا على أزماتها الداخلية، بعد أن ظلت ردحًا من الزمن رهينةً لطموحاتها الخارجية، وأسيرةً لخطابها الأيديولوجي، وبات أقصى أمانيها -اليوم- العودة والإياب للهموم والتحديات الداخلية التي تواجهها، بَعدَ أنْ أعيَتْها المحاولاتُ العبثيةُ للفوز بكامل الغنيمة، وبَعدَ أنْ استنفدَت- منذ وصول النظام الحالي إلى الحكم قبل 4 عقود- طاقتَها ومواردَها، في محاولاتٍ فاشلةٍ، للهروب إلى الأمام، وخلق الأزمات في الخارج، تحت شعار تصدير الثورة أو بسط النفوذ.

فرغم طول المدة، وتعدد المحاولات، فإن طهران لم تستطع -طوال تلك الفترة-  تصديرَ الثورة للخارج، ولا حلّ الأزمات في الداخل. فظلَّ التبشيرُ بالثورة شعارًا أجوَفَ دون محتوى، فيما كانت متاعب الحياة اليومية تتفاقم، ومشاعر الإحباط  تتزايد، وسط إحساس عارم لدى الإيرانيين، بانسداد أفق الحل، واقتراب خطر الانفجار .

وبمراجعة مسيرة النظام الحالي منذ وصوله للحكم عام 1979 وحتى الآن، نجده غارقًا في أزمات من كل نوع :

ففي الداخل تتعمقُ أزمتُه مع خصومِه الداخليين، القُدامى منهم والجُدُد. فبَعدَ أنْ كانت خلافاتُه قاصِرةً على شركائِه في الثورة من الأحزاب العلمانية أو الإصلاحية، امتدَّت الخصوماتُ والتصفياتُ لتطال حتى بعضَ القوى المحسوبة على النظام.

لم يستطع النظام تجاوز الضغوط الاقتصادية، وتذرَّعَ بالمقاطعةِ الخارجيةِ، وتجاهَلَ الأسبابَ الحقيقيةَ الداخليةَ المتمثلة في سوء الإدارة والفساد، والخارجية التي وضعت النظام في خصومةٍ مع الجِوار القريب، وعزلةٍ مع المحيط البعيد .

ظل (النظامُ) أسيرَ أيديولوجيةٍ طائفيةٍ أثارَت الشكوكَ بين جيرانه، وتمترس خلفَ طموحاتٍ عسكريةٍ مثيرةٍ للمخاوف، جاعلًا منها سببًا وذريعةً للآخرين لفرض مقاطعة اقتصادية، وعقوباتٍ ماليةٍ أرهَقت الإيرانيين، وأبقتهم على حوافّ الفقر والعَوَز.

لم تتخلّ (إيران) عن طموحها الأرعن بتصدير الثورة، فحاولت استغلال الفوضى التي خلفها الغزو الأمريكي للعراق؛ للتغلغل في النسيج الطائفي والسياسي العراقي، في عمليةٍ مكشوفةٍ عبَّرت بوضوح عن المطامع الإقليمية والرؤية الطائفية.

ظنَّت في زحمة الفوضى التي خلَّفها “ الربيعُ العربيُّ“ ، وفي غفلةٍ من المحيط الإقليمي، وتخاذل-  حتى لا نقول تواطؤ- من قوى دولية، أنَّها قادرة على ابتلاع العراق، وجعله منطلقًا للوثوب على المنطقة والتوسّع فيها. فدخلت سوريا لدعم نظام الرئيس بشار الأسد بذريعة المقاومة والممانعة، وعمَّقت وجودَها في الساحة اللبنانية، لتصبحَ جزءًا من المعادلة السياسية اللبنانية، ترجّح فريقًا، وتقصي آخر.

أغرى التعاطي الإقليمي والدولي، المتردّد تجاه تدخلات طهران في العراق وسوريا ولبنان، النظامَ الإيراني، فظنَّ أن بإمكانِه تجاوز الخطوط الحمر، والإفلات من الملاحقة والمحاسبة، وأنَّ لديه الفرصة للتمدد، والاقتراب أكثر من المحرَّمات السياسية، فحاولَ التدخُّل في الشأنين البحريني واليمني  دون أن يدرك، أنَّه بذلك يرتكبُ غلطةَ ”الشاطر“ .

ودون توقّع، استفزَّ تباهي طهران باحتلال 4 عواصم عربية، دولَ الخليج، فوجدت فيه تجاوزًا لكل المحرمات، وتطورًا يتطلبُ حزمًا في المواجهة، وويقتضي جرأةً في التصدّي ، فجاء الدعمُ العسكري السعودي الإماراتي في البحرين، ليقطع الطريقَ أمامَ التدخل الإيراني هناك، وجاءت عاصفةُ الحزم لتلجم دعم طهران  للانقلابيين الحوثيين في اليمن.

اليوم تعيشُ إيران مرحلةً سياسيةً مختلفةً عن كل ما سبق() فبعد محاولاتها الفاشلة لتصدير الثورة، باتت على أعتاب ثورة جديدة قد تطيح بالنظام الحالي، وثورته التي حاول تصديرها إلى دول الجوار.

فالضغوط الاقتصادية -التي تتعرَّض لها- تنذِرُ بانفجار الوضع الداخلي بشكل كامل، وهناك إرهاصاتٌ عديدة ويومية على ذلك الانفجار، وهناك مؤشراتٌ على أن ما يحدثُ في المدن الإيرانية من مظاهراتٍ واحتجاجاتٍ يختلف عن كل ما سبقها. فالأزماتُ تنفجر كلها دفعة واحدة، وبتزامن وتناغم بين الضغوط الخارجية والأوضاع الداخلية، ليمتد الاحتجاج من الشكوى جراء  المصاعب الاقتصادية، إلى فضح تجاوزات رموز النظام وفسادهم، ووصولًا إلى الاحتجاج على التورّط في أزماتٍ خارجية ترهق حياةَ الإيرانيين في الداخل، وتزيد عزلتهم السياسية في الخارج .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com