رسالة الفتاة ريحانة لامها شعلة

رسالة الفتاة ريحانة لامها شعلة

محمد الغيطي

لا أعلم كيف استيقظ العالم في اليوم التالي لاعدام الفتاة الإيرانية ريحانة جباري التي نفذوا فيها حكم الاعدام فى تهمة قتل موظف استخبارات إيراني، لم يشفع لها أنها كانت فى حالة دفاع عن النفس وأن الرجل اغتصبها ولم تشعر بنفسها وهي تنشب أظافرها في رقبته، هي نفسها استغربت فى رسائلها لأمها من القوة التي تملكتها وهي الضحية التي انتقمت من الجلاد في لحظة نفسية عبقرية تجلت فيها قدرات خفية أقرب للمعجزة التي تحتاج تحليل علماء الباراسيكولجي وعلم النفس السلوكي.

ريحانة لها نصيب من اسمها حيث أخذت من نبات الريحان عبق الوجود وشموخ الساق وكبرياء الأرض التي أنبتتها والام التي أينعتها وعلمتها أن الحياة موقف يموت الاحرار دونه مرفوعي الهامة، ”منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي في يدي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي وانا امشي وانا امشي“ ..

كأنه محمود درويش يغني لريحانة، لاعجب والقهر واحد والموت الشجاع يستقطب الفرسان والمناضلين من اجل مخاض شمس الحرية.

منذ أيام خرج ممثل الأمم المتحدة في إيران أحمد شهيد غاضبا لتنفيذ حكم الاعدام في ريحانة وقال إن حقوق الإنسان وصلت لأدنى مستوياتها في إيران خلال الخمسة أشهر الاخيرة وأنه تم تنفيذ حكم الاعدام في ٨٥٢ إنسان معظمهم من الإناث بلا محاكم عادلة وفي غياب ممثلي دفاع المتهمين ورفض مراقبة منظمات حقوق الإنسان وخرج المتحدث بأسم الحكومة ليتهمه بأنه يدعم الإرهابيين ..!

ترى هل يتحول الجلاد لضحية او الجاني لمتهم؟

في أنظمة العالم الثالث وفي عالمنا المعاصر يخرج المتحدثون الرسميون ليقنعونا أن البغل يمرق من الابريق وانهم يحمون شعوبهم من الاشرار ومجرد الاعترض يستدعي زوار الفجر والمحققون وحبل المشنقة ألا لعنة الله على الجبناء.

تعالوا نقرأ بعضا من سطور ريحانة لامها أو للعالم الذي مات ضميره وشيع حتى اشعار اخر تقول ريحانة: علمت اليوم انه قد جاء دوري لمواجهة القصاص، اشعر بالاسى لانك لم تخبرينى بنفسك أني قد وصلت إلى نهاية رحلتي في الحياة، الا تعتقدين أنه من حقي أن أعرف؟ اتعلمين؟ أشعر بالخزي لانك حزينة، لماذا لم تعطيني فرصة لأقبل يدك ويد أبي؟ لقد عشت ١٩ سنة في هذا العالم، في تلك الليلة المشؤومة كان يجب ان اكون انا القتيلة، وبعد ايام كانت الشرطة ستأخذك إلى مكتب الطبيب الشرعي لتتعرفي على الجثة، وكنت ستعرفين حينها اني قد اغتصبت، لم يكن احد ليتوصل إلى هوية القاتل لاننا لانملك اموالهم ولانفوذهم.

امي كنت ستكملين بقية حياتك في معاناة وعار، وكنت ستموتين كمدا بعد بضع سنين وكانت القصة ستنتهي، لكن قصتي تغيرت بضربة ملعونة.

ثم تختم رسالتها لامها والعالم قائلة: امي العزيزة شعلة لا أريد ان أتعفن تحت الثرى، لا أريد لعيني او لقلبي الشاب أن يتحول الى تراب، توسلي لهم ليعطوا قلبي وكليتي وعيني وعظمي وكل ما يمكن زرعه في جسد اخر إلى شخص يحتاج اليه بمجرد اعدامي، لا اريد لهذا الشخص ان يعرف اسمي ولاحتى يشترى لي باقة زهور يضعها على قبري، لا اريد ان اوضع في قبر تزورينه وتبكين وتعانين، لا اريدك ان تلبسي ثوب الحداد الاسود، ابذلي مافي وسعك لتنسي واتركيني لتبعثرني الريح ..احبك

وبالمناسبة ريحانة تركت الكثير من الرسائل وهربتها من محبسها قبل الاعدام وانا اتحرق شوقا لقراءة بقية كلماتها لانها ستكون من أصدق ماكتب، وربما من قرا رسائل الاديب التركي عزيز نسين وهو سجين وبعد صدور حكم باعدامه يعرف قيمة الحياة على لسان بشر يناديهم الموت ويلقفونه بكل فروسية وشمم.

يقول نسين أحضن الموت كنخلة تعانق العاصفة لا بل كزهرة تداعب أهداب النسيم، أجمل الايام لم تأت بعد، وأجمل الاطفال لم يولدوا بعد وأجمل الصباحات لم تولد بعد من رحم الشموس، المجد لكم يامن تواجهون الموت بالشعر وابتسامة الرمق الأخير.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com