ميزان الأخلاق الأمريكية في محنة كوباني السورية

ميزان الأخلاق الأمريكية في محنة كوباني السورية
دريد البيك

مرة تلو الأخرى تأني تدخلات الولايات المتحدة في المنطقة العربية بنتائج كارثية ويدفع العرب في الغالب ثمن تدهور العلاقات لسنين قادمة بسبب افتقار الساسة الأمريكيين إلى الحد الأدنى من الحس الأخلاقي المتوازن الذي كان يجب أن يشكل روح القيادة الأمريكية للعالم.

هذا لا يعني أن الأمريكان كشعب لا يدفعون ثمن تدهور القيم الأخلاقية ومبادئ العدالة الإنسانية في السياسة الأمريكية، بل على العكس، فهم يدفعون أثمانا قد تكون باهظة أحيانا وقد تنال من استقرار الأمريكيين وسلامتهم نتيجة العمليات الإرهابية التي تتخذ من المعايير المزدوجة في السياسة الأمريكية مبررا وسببا للانتقام.

طبعا لا يوجد عرب كثيرون يبررون الإرهاب الأعمى ضد الغرب، لكن بالتأكيد هناك عرب ومسلمون كثر ينظرون إلى كل ما هو أمريكي بمزيد من الشك والريبة، بل إن التفسيرات الرسمية للأفعال الأمريكية المثيرة للريبة والشك تصب الزيت على النار بدلاً من إطفاء جنون الهواجس والظنون في ذهن رجل الشارع العربي المسلم.

تمنياتي أن لا يتحول التدخل الأمريكي الأخير في المنطقة في حربها على الدولة الإسلامية الى حلقة من سلسلة التدخلات الكارثية في المنطقة العربية والإسلامية، لكن المقدمات لا تشير إلى أن مستوى الأداء الأمريكي في هذا المضمار سيكون أفضل مما سابقاته من الحروب، بل قد تكون النتيجة أسوأ من حرب أمريكا على العراق تلك التي أطاحت بنظام صدام والتي وصفها الأمريكان أنفسهم بالحملة الصليبية فإذا بها تستحضر كل الذكريات المرة لعلاقة المسلمين بالعالم الغربي مع أن هذه الحرب كانت في جوهرها سببا في أن يتخلص شعب العراق من حكم طاغية دموي.

سبب تشاؤمي اليوم هو التصريح الأمريكي المفاجئ الذي افتقد لأبسط قواعد اللياقة والاعتدال والانضباط في المعايير من عميد الديبلوماسية الأمريكية، جون كيري. فمن جاكرتا عاصمة أندونيسيا أكبر البلدان الإسلامية أعلن كيري في ال20 من شهر أكتوبر – الذي يصادف اليوم 23 للحرب على الدولة الإسلامية- أن عدم مساعدة الأكراد في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في كوباني في هذا الوقت العصيب سيكون بمثابة عمل غير مسؤول ومن الصعب تحمله أخلاقيا. كما أكد أكيري أن الولايات المتحدة الأمريكية ستقوم بإنزال أسلحة وذخائر من الجو للأكراد المدافعين عن المدينة المهددة. بقية القصة باتت معروفة.

إلى هنا يبدو التصريح والفعل الأمريكي عملا ضمن الرؤية التي تجري من خلالها الأحداث في المنطقة مذ قررت الولايات المتحدة أن تتدخل في الحرب الدائرة على الشعب السوري بكل مكوناته منذ 43 شهرا.

ومن المعلوم أن الحرب على الأطفال والنساء في سورية يشنها اليوم ثلة من المجرمين الذين ينتمون لأكثر من 20 دولة وفصيل إرهابي بما في ذلك نظام الأسد وحلفاؤه إيران وروسيا والصين بالإضافة لمقاتلي الدولة الإسلامية وحزب الله وميليشيات عراقية وأفغانية وأوزبكية يشارك فيها مقاتلون من أكثر من 30 جنسية اتوا من أنحاء مختلفة من العالم لمحاربة الشعب السوري.

وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية اختارت تنظيما إرهابيا واحدا أو اثنين كي تشن حربها عليهما وحشدت لذلك طاقات أكثر من أربعين دولة، فقد استمرت أمريكا في التغاضي عن الإرهابيين الآخرين الذين عاثوا بالدم السوري تقتيلا وبالحواضر السورية العريقة تخريبا فاق بأضعاف ما قام به إرهابيو الدولة الإسلامية من حيث عدد الضحايا و كلفة إصلاح الدمار، إلا أن السوريين الثائرين على بشار الأسد رضوا الإتخراط في هذا الحلف وغايتهم في ذلك أن تمتد يد العقوبة العادلة يوما ما لتنال من رأس الإرهابي الأول الذي شن عليهم هذه الحرب في اللحظة التي طلبوا فيها حريتهم وكرامتهم قبل نحو أربعة سنين.

هناك مثل سوري يقول قدم عذرك ولا تظهر بخلك..ويقول المصريون الملافظ سعد وذلك تأكيدا على أهمية اختيار الكلمة المناسبة في الموقف الحرج. لذا كان يمكن لكيري أن يعتبر مساعدة أكراد كوباني مصلحة أمريكية أو تحالفا ضد عدو واحد، لكن أن يعتبر هذا ضرورة أخلاقية يصعب احتمال خلافها أصاب السوريين والمسلمين بمرارة يصعب ابتلاعها..

السوريون الذين قصفهم بشار مدنهم وقراهم بالبراميل والصواريخ البالستية ومسح مدنا وأحياء من خرائط الكوكب وقتل نصف مليون سوري وشرد نصف الشعب في سورية حتى وصل لكل بلاد الأرض، لم يحرك أي وازع أخلاقي عند كيري ليعبر عن مأساتهم بهذا الوضوح بينما هجوم داعش على كوباني وتشريد بضعة آلاف من سكان المدينة المنكوبة استدعى كل هذه الشهامة المتدفقة من الديبلوماسي الأمريكي النبيل..

يستطيع الأمريكيون –بكل تأكيد- اختيار من يساعدون وبالطريقة التي يرون، لكنهم لا يستطيعون أن يسبغوا تلك المساعدة برداء من الأخلاق والنبل فإن الضحايا من الآخرين في نفس مسرح الأحداث لا يمكنهم احتمال هذا النفاق خصوصا عندما يكون أولئك الآخرون على درجة كبيرة من الأهمية في الحرب ضد داعش.

على كيري وغيره من السياسيين الغربيين أن ينتقوا عباراتهم وتصريحاتهم في هذه الأزمة بمنتهى الحرص والحصافة وأن لا يستهينوا بذكاء الشعوب في هذه المنطقة فهي على النقيض، شعوب تحمل قدرا كبيرا من الذكاء الفردي ورصيدا هائلا من الحضارة المتراكمة على الرغم من المحن والرزايا التي أصابتهم.

الشعب السوري يا فخامة الوزير شعب كريم شرد وأبيد على يد طاغية لم يعرف التاريخ له شبيها لكن ذلك لم يحرك الوازع الأخلاقي للسياسة الأمريكية وهذا ليس ذنب هذا الشعب الضحية، لكن كلامك عن المسؤولية الأخلاقية تجاه عين العرب/كوباني يطعن كل مكلوم وجريح ومشرد من شعبنا في حلب وحمص وحماة ودير الزور والرقة ودرعا وهي مدن –يا سيدي- قدمت للتراث العالمي والإنساني أضعاف ما قدمت كوباني وكان يجب أن تحرك ضمير نظامك قبل أن تستفحل المأساة وتقع الفأس في رأس كوباني والأكراد.

ننصحكم يا سيادة الوزير بأن تستعينوا على مساعداتكم لكوباني بالكتمان حتى لا يكبر طفل من مدينة قريبة قي الجغرافيا وبعيدة عن الاهتمام الأمريكي في إحدى مخيمات اللجوء فيقترف فعلا تعدونه إرهابيا ويعده هو انتقاما لكرامة أهله وشعبة من المهانة والذل الذي سمح به المجتمع الدولي الذي تقودونه لبشار الأسد كي يستكمل جريمته.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع