هذه ليست مصر التي في خاطري!

هذه ليست مصر التي في خاطري!

يوسف ضمرة

ماذا جرى لمصر؟

الأم الكبرى.. أرض الكنانة.. حاضنة العرب والعروبة. هل يعقل أن نرمي بهذا التاريخ كله خلف ظهورنا، لمجرد صراع على السلطة في قلب دائرة التبعية الأمريكية؟ هل تأكل مصر أبناءها بعد خروج الملايين إلى ساحاتها، كي تتنشق هواء الحرية، وتتخلص من عقود الظلم والتسول والذل التي رسخها السادات ومبارك؟

يتحدثون عن الفلول، بينما ترأس عمرو موسى أبرز رموز النظام البائد لجنة الخمسين لصياغة الدستور. يتحدثون عن الفلول والجنزوري أحد أعمدة النظام البائد، يشكل لائحة مرشحين للبرلمان، ويفتح الخطوط مع احمد عز، أحد ابرز مصاصي دم الشعب المصري! من أين سيأتي الجنزوري وعمرو موسى بمرشيحهما؟ من الفقراء المعدمين والمسحوقين والذين ظُلموا طوال أربعة عقود؟ أي هراء!

تعامل العسكر مع مكون رئيس من مكونات المجتمع المصري ـ الإخوان المسلمون ـ بقسوة وفظاظة لا مبرر لهما. سيقال الكثير في الرد على مثل هذا لكلام، ولكن تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية يعني عزل قطاع كبير من المجتمع المصري، وحشره في خانة العداء لمصر.

لم تجر الأمور على هذا النحو فقط. فإذا كانت حركة حماس فصيلا مسلحا مقاوما للاحتلال الصهيوني، فإنها وجدت في وصول الإخوان إلى السلطة في مصر جدارا صلبا تتكئ عليه. لكنها لن تتورط لاحقا في ارتكاب أعمال عسكرية ضد الجيش المصري. ليست حماس غبية إلى هذا الحد الذي يجعلها تخترع لها أعداء إضافيين. ربما تشعر بانتكاسة سياسية وعسكرية بسبب تدمير الأنفاق ومعبر رفح، لكنها ليست على هذه الدرجة من الغباء السياسي. ولا تضع الجيش المصري هدفا من أهدافها العسكرية.

لقد تكالب الإعلام المصري الرسمي لشيطنة حماس، وجند الفنانين والمشاهير لتأليب الشارع المصري ضدها، في الوقت الذي كان التكفيريون يعيدون تجميع أنفسهم في سيناء ومناطق أخرى. ثم حدثت الطامة الكبرى حين احتشد أكثر من عشرة آلاف مقاتل بايعوا داعش على حدود مصر الغربية في ليبيا، الأمر الذي جعل الطيران المصري يقدم الإسناد لقوات حفتر في شرق ليبيا، حتى وإن تحدث الإعلام المصري عن طيارين ليبيين يقودون طائرات مصرية. وأخيرا جاءت العملية الإرهابية الأخيرة ضد الجيش المصري في سيناء، لتؤكد للمصريين قبل غيرهم أن الأمر أكبر من حماس، وأن مصر أصبحت في عين العاصفة كما يقال. لكن السياسيين المصريين لا يريدون الاعتراف بأخطائهم؛ هاهم يعودون مرة أخرى إلى حماس، وكأن حماس مهجوسة فقط بالأمن المصري وبتخريب مصر، بينما لديها استحقاقات أخرى وأولويات جوهرية، تتمنى لو تقف مصر إلى جانبها فيها.

على السلطة المصرية أن تفكر بحماس بعيدا عن الإخوان المسلمين في مصر، بالرغم من كل الروابط العقائدية بين حماس والجماعة في مصر. وحكاية المنطقة العازلة التي تفكر في إنشائها مصر الآن، وتصل إلى مائتي كيلو متر بدءا من رفح، تعني حصارا جديدا لقطاع غزة. وهو حصار يُضاف إلى الحصار الصهيوني، ولا مبرر له سوى دفع حماس للاستسلام للشروط الإسرائيلية.

تقوم مصر بممارسة عقاب جماعي لسكان قطاع غزة، تماما على الطريقة الإسرائيلية. وكلما تعرضت مصر لعمليات إرهابية، أمعنت في تعنتها ضد حماس. وكأن الأمر يشبه كلب بافلوف والجرس.

إن تحويل مائتي كيلو متر في سيناء إلى منطقة عسكرية، يعني إضافة مناطق حصار عسكرية جديدة للمناطق الإسرائيلية، خصوصا ونحن لا نرى مصر تستنفر قدراتها السياسية لدعم الفلسطينيين في المفاوضات غير المباشرة مع الإسرائيليين. بل نكاد نشعر أحيانا أن مصر تشارك في الضغط على سكان قطاع غزة، من خلال الضغط على حركة حماس.

على مصر أن تنتبه إلى مصادر الخطر الحقيقية التي تهدد أمنها وشعبها في الداخل. فهنالك الكثير من الأزمات الاقتصادية التي تهدد ملايين المصريين، ولا خطط معلنة أو سرية لحل هذه الأزمات سوى الهبات والمنح. أما عسكريا فإن تورط مصر في ليبيا لن يمر من دون ارتدادات عليها، مهما كان الجيش قويا ويقظا. فالإرهاب لا يقاس تهديده أو خطورته بقدرة الجيوش النظامية وتدريبها وتسليحها. إنه وباء ينتقل باللمس وبالهمس وبالهاتف ومن خلال كوب الماء ومتسولي المساجد وغير ذلك الكثير!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع