الأسد ومعركة الخروج الآمن

الأسد ومعركة الخروج الآمن

المصدر: تاج الدين عبد الحق

ظاهر الأمر أن الرئيس السوري بشار الأسد هو من كسب المواجهة العسكرية مع المعارضة، لكن المعركة السياسية التي يُحضر لها الآن أو يجري التشاور بشأنها في أكثر من عاصمة عربية وأجنبية بعيدة كثيرًا عن الحسم، وقد لا يكون للرئيس الأسد الحصة الأكبر في مخرجاتها ونتائجها.

حتى الآن بقي الأسد مظلة ضرورية لمن كان يملك مفتاح الحسم العسكري، سواء كان ذلك الحليف الروسي، أو الحليف الإقليمي إيران، وامتداداته المتمثلة في حزب الله اللبناني، أو الميليشيات الطائفية الأخرى التي استقدمتها ومولتها طهران بذريعة الدفاع عما تعتبره مقدسات شيعية في سوريا.

لكن الأسد، عند انتهاء المعارك، وبدء البحث الجدي عن الحلول والتسويات، لن يتمكن من تقديم نفس المظلة لتأمين دور سياسي للقوى التي ساندته عسكريًا، خاصة وأن دور النظام نفسه سيكون موضع تساؤل أو مراجعة في أي تسوية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار ما جرى خلال السنوات الست من عمر الأزمة الدامية، وما تركته من كوارث سياسية واجتماعية.

وروسيا التي تملك مفاتيح الحل السياسي، كما امتلكت مفاتيح الحسم العسكري من قبل، تدرك أن الرئيس الأسد يمكن أن يكون حليفًا عسكريًا، لكن من الصعب تسويقه – حتى مع الإنجازات الميدانية الأخيرة – كأساس لحل سياسي تقبله المعارضة وتوافق عليه القوى الإقليمية والدولية التي ظلت تساند على الدوام فكرة الإطاحة بالأسد، واعتباره جزءًا من المشكلة لا الحل.

قاعدة الحل السياسي الذي تطرحه موسكو في سوريا، هي تغيير دستوري تتوزع فيه الأحجام والأدوار في معادلة جديدة لا مكان فيها لحالة الاستئثار السياسي والطائفي التي كانت قائمة في سوريا، منذ ما يزيد عن أربعين عامًا. وفي هذا الإطار، فإن الوجود الأجنبي بكافة أشكاله يصبح محكومًا بالتوافق بين أطراف تلك المعادلة، وليس تعبيرًا عن مصالح فئة دون الأخرى.

ويبدو أن موسكو حفظت لنفسها مكانًا ضمن المعادلة المشار إليها، فعلاقاتها بأطراف الأزمة السورية ليست قاصرة على النظام، فلها علاقات مع جهات كثيرة في المعارضة، وهي التي تلعب دور الضامن للاتفاقات التي تجري بين النظام والفصائل المسلحة، وهي التي تحدد مناطق التواجد والنفوذ بأي مكان وبأي حجم، بل تفصل بين القوات المتحاربة، وتوفر طرق الخروج الآمنة لبعضها.

وحتى الأطراف الإقليمية التي لها يد ودور في الأزمة السورية منذ اندلاعها، تجد في موسكو شريكًا مقبولًا عند البحث عن أي حل، أو مخرج. وبالطبع فإن القبول بروسيا كشريك، يعني القبول بدورها في سوريا كضامن للحل، وهو ما قد يقتضي من موسكو إعادة النظر في علاقاتها السياسية بدول وقوى الإقليم؛ حتى تكون مقبولة من الجميع.

ولهذا؛ فاللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس لقاءً بين منتصر ومنهزم، فواشنطن بخلاف الظاهر راضية عن النجاحات الروسية في سوريا، وهناك أكثر من مؤشر على ذلك، أبرزها الصمت الإسرائيلي عن تقدم القوات السورية في الجبهة الجنوبية الغربية. كما أن واشنطن لم تحاول عرقلة تقدم قوات النظام السوري لا في الغوطة الشرقية ولا في الجنوب، كما أن قوى المعارضة المرتبطة بالولايات المتحدة كانت جاهزة لملء الفراغ الذي أحدثه خروج الفصائل المتطرفة من معادلة الصراع مع النظام، بل إن ما يعرف بقوى المعارضة المعتدلة لم تعد تطرح الآن الخيار العسكري ضمن عناصر المواجهة مع النظام، وباتت تنتظر ما يتفق عليه اللاعبون الكبار وبالتحديد البيت الأبيض والكرملين. وفي إطار هذا الفهم الأمريكي للعمليات العسكرية السورية الأخيرة، فإن واشنطن تعتبر كل ما حدث ويحدث، خطوة باتجاه تأمين حل سياسي غير بعيد عن التصور الأمريكي.

في القمة الروسية الأمريكية المرتقبة، هناك أكثر من نقطة تقاطع بين واشنطن وموسكو؛ فواشنطن ترغب في أن تضغط موسكو لإخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا، وهو أمر تعترف موسكو بضرورته إن هي أرادت تأمين قبول كافة أطراف الأزمة، لدورها في الحل السياسي، وتوفير المصداقية التي تحتاجها أمام قوى المعارضة السورية، أو عند القوى الإقليمية الفاعلة في الأزمة.

الذين بدأوا  يستعدون للاحتفال بانتصار الرئيس بشار الأسد عسكريًا حاليًا، عليهم الانتظار بعض الوقت، لأن العبرة بالمخرجات السياسية للعملية العسكرية، وليس بالحسابات الميدانية المباشرة لها.

وإذا كان الرئيس السوري هو واجهة الانتصار العسكري وعنوانه، فإن الحكم على النتائج النهائية يرتبط بكيفية استثمار هذا الانتصار، وما إذا كان بمقدور الأسد توظيفه لإطالة وجوده في السلطة، وتأمين إمساكه بخيوطها، أم وسيلته لتأمين خروج آمن له منها، لا أكثر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع