المجلس الوطني في الإمارات والعودة إلى المرأة التقليدية

المجلس الوطني في الإمارات والعودة إلى المرأة التقليدية

إيمان محمد

طرح المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي في دور انعقاده الحالي، عدة أفكار تدعم عودة المرأة إلى أدوار تقليدية، دون وعي ربما من أعضاء المجلس أنهم يدعمون التوجهات الجديدة للتيار المحافظ، أو التقليدي إن جاز التعبير، والذي يستند إلى خطاب ديني غير مؤصل وتقاليد تضعف من الدور المعاصر للمرأة في مجتمعنا المتجه نحو الحداثة دون تردد.

فقد أوصت إحدى اللجان المختصة في المجلس بتقليل سنوات التقاعد للمرأة العاملة بحيث تكون أقل من الرجل حتى تتمكن من الاهتمام بأطفالها، وهو أمر لافت جدا ويتناقض مع السياق العام لنمو المجتمع.

صحيح أن مشروع القانون المشار الية هو نوع من التمييز الإيجابي للمرأة إلا أنه يخالف من جانب آخر مبدأ المساواة الذي ينص عليه الدستور، وإن تحقق فإنه سيسلب المرأة دورها الهام في التنمية ويقلل من قيمتها الإنسانية كقوة فاعلة خارج البيت، خاصة مع عدم إيجاد حلول عملية للتركيبة الديمغرافية غير المتوازنة، فحاجتنا لقوتها الإنتاجية حاليا توازي حاجتنا لدورها اﻻجتماعي والتربوي.

كما أن مشروع القانون يكرس الفكرة “الشعبية” السائدة عن مسؤولية المرأة عن الأسرة والبيت أكثر من الرجل، وينسي المجلس أن بناء الأسرة مسؤولية مشتركة بين الأب والأم، وهي قيمة أساسية بحاجة للدعم والتأكيد حتى تتحقق على أرض الواقع في ظل تنامي مشاكل الأسر المفككة، بدل دفع طرف للتضحية بحقه في المشاركة في قوة العمل وبناء المجتمع. وهي دعوة تطيح بجهود مؤسسات الأسرة طوال عقود لتصحيح فكرة الشراكة بين المرأة والرجل في تربية الأبناء وبناء الأسرة.

على أرض الواقع لا يوجد ما يفيد أن المرأة كانت مسؤولة وحدها عن الأسرة حتى في أكثر الأوقات تقليدية؛ فقد اقتضت مرحلة الغوص على اللؤلؤ في المجتمع التقليدي التقسيم اﻻجتماعي للعمل بين الرجل والمرأة، ببقاء المرأة في البيت وخروج الرجل للفضاء الإنتاجي الخارجي، إﻻ أن ذلك لم يُحصر المرأة في البيت سواء طوال موسم الغوص أو بعده، فقد عملت المرأة في أعمال مضنية وقت غياب الرجال في رحلات الغوص الطويلة والتي كانت أشبه بالقذف نحو الموت، فكان عليها خلال أربعة أو ستة أشهر متتالية أن تدبر قوت يومها وأبنائها لوحدها. فصور النساء وهن يحملن الحطب على رؤوسهن، ويأتين بجرب الماء من الآبار البعيدة، ويرعين الغنم والجمال وحيدات في البراري، لاتزال صور مؤثرة وتحمل دلالة قوية على مشاركة المرأة في قوة العمل حتى في المجتمع التقليدي، إن جاز لنا تسميته، ولا انسي جداتنا اللاتي وقفن في الأسواق يبعن السمك والتمر وبعض البضائع البسيطة التي يصنعن بأيديهن من سعف النخيل والصوف (السدو)، صحيح أن التاريخ قد سجل سير بعض هؤلاء النساء فقط لقلة المجهود التوثيقي في هذا الصدد، إلا أن هذه السير عامة وعاشت تفاصيلها المتشابهة معظم النساء في وقت الشظف قبل نحو 60 عاما فقط.

ربما من المفيد هنا الاشارة إلى بعض النماذج الاسطورية لنساء حقيقيات من الرعيل القديم مارسن مهن متنوعة إلى جانب تربية الأبناء التقي بهن الباحث عبدالله عبد الرحمن، ويشرح تفاصيل معاناتهن في كتابه الشهير “الإمارات في ذاكرة أبنائها”، مثل المداوية الشعبية حمامة الطنيجي التي بقيت تداوي الجميع في الذيد حتى وقت قريب ووثقت حياتها السينمائية نجوم الغانم في فيلم “حمامة”، وحمدة بنت حميد الهاملي التي حفرت مع نساء أخريات في أبوظبي آبار الماء وروين السفن المتوجهة إلى الغوص، وموزة بنت جمعة بن عبيد التي كانت تسوّق الإنتاج الزراعي لمزرعة زوجها مثلما تفعل نساء المجتمع الزراعي، وفاطمة بنت مدفون الشهيرة في دبي والتي كانت تبيع السمك الذي يصيده زوجها وفي مرحلة لاحقة كانت توزع السخام (الفحم) في السوق…

لايمكن القبول أن امرأة اليوم التي تنتظم في التعليم الجامعي أكثر من الرجل وتشكل مساهمتها في قوة العمل العام أكثر من 40 % أن تستسلم لضغوط اجتماعية غير حقيقية، وترضي أن تقلل سنوات خدمتها حتى تتفرغ وحدها لمسؤولية الأبناء، وكأنها ليست حفيدة تلك الجدة التي صنعت الحياة من العدم في وقت لم تكن حتى المياه النظيفة متوفرة للشرب.

من جهة أخرى كان اقتراح المجلس “اجبار” المرأة على الرضاعة الطبيعية ضمن قانون الطفل أشبه بسلب حق الاختيار من المرأة، مرة أخرى يظهر التيار التقليدي المحافظ قوة في تمرير هذا الأمر، وكم يدهشنى أن يأتي هذا الصوت من داخل المجلس/البرلمان نفسه! صحيح أن الرضاعة الطبيعية حق للطفل وفق الشريعة الإسلامية ووفق العديد من القوانين الوضعية القائمة على الحاجات الفسيولوجية لنمو الطفل، لكن اجبار المرأة على الرضاعة لا يبدو أمرا عمليا لمراقبته من جهة، ومن جهة أخرى اعطاء الزوج حق مقاضاة الزوجة في حال عدم التزامها بارضاع الطفل يفتح بابا كبيرا لغبن المرأة باسم القانون، خاصة أن ظروف الرضاعة الطبيعية واستعداد المرأة لها يختلف من امرأة إلى أخرى وفق طبيعة الجسد والحالة النفسية بعد الولادة ووعي المرأة بكل ذلك. لماذا لا يلتفت أعضاء المجلس الوطني- الذي يمثل بعضهم الناس – إلى إلزامية برامج التوعية بالرضاعة الطبيعية قبل الوضع ضمن البرنامج الطبي للمرأة الحامل الذي تتبعه النساء عند حملهن؟ بدل تسليط القانون على رقابهن واخضاع علاقتهن الحميمية بمواليدهن للمحاكم؟

يفاجأني أيضا أن الحكومة تبدى فهما أعمق لدور المرأة التنموي المعاصر في مجتمع تخلى عن التقليدية، وينحو بسرعة إلى مستقبل مفتوح على آمال عريضة للوصول إلى منجز مأصل فيما يتعلق بالإنسان ومشروعه على الأرض. قريبا سيعود المجلس الوطني إلى الانعقاد من جديد ونأمل من الأعضاء عدم الوقوف ضد حركة التاريخ، بالانفتاح على دورنا المنتظر في المجتمع الدولي والذي بات يوسع من دائرة حقوق المرأة ويدعم انتاجها التنموي في المجتمع. كما أدعو الأعضاء وهم يشاركون في دعم أسس المجتمع المدني المعاصر أن ينتبهوا إلى التيار التقليدي في ثوبه الجديد، والذي يتستر خلف خطاب ديني مشوه وما يمجه شيوخ السلفية والتشدد، وما يروجه التراثيون من أفكار مغلوطة عن العادات والتقاليد، فليس مقبولا، وليس ممكنا، أن نقفز إلى العالمية بساق مبتورة حينما نعطل المرأة عن دورها التنموي.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع