مونديال رياضي بنكهة سياسية

مونديال رياضي بنكهة سياسية
MOSCOW, RUSSIA - NOVEMBER 30: Moscow prepares for the 2018 FIFA World Cup Draw on November 30, 2017 in Moscow, Russia. (Photo by Matthias Hangst/Bongarts/Getty Images)

المصدر: تاج الدين عبدالحق

زمان، كانت الرياضة وأخبارها من لزوميات تنويع المحتوى في أي مطبوعة، وكان رؤساء تحرير ذلك الزمان يتعففون عن إشغال أنفسهم في موضوعات الرياضة وأخبارها، ويتركون هذه المهمة لمن يعتقدون أنهم هواة أو مبتدؤون، ولا يَحفلون كثيرًا بما يُكتب في الزوايا والصفحات الرياضية، ولا يحاسبون على ما يرتكب فيها من أخطاء، ويعتبرون أن ذنب محرريها مغفور والعتب عليهم مرفوع.

كان محررو تلك الصفحات – في الغالب – يعيشون في جزر منفصلة عن بقية أقسام التحرير، وكانت الأحداث الرياضية قلما تجد طريقها إلى الصفحات الأولى التي ظلت حكرًا على السياسة، ورموزها والأخبارالساخنة منها والتداعيات الكثيرة فيها.

ومنذ أن تحولت الرياضة إلى صناعة، توظف فيها الملايين، ثم المليارات لاحقًا، وبعد أن أصبحت هذه الصناعة مورد دخل للقائمين عليها، وللدول التي تتبناها، تبدل الحال في الصحافة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وباتت للرياضة وموضوعاتها مكانه بارزة في كل تلك الوسائل، وباتت الملاحق الرياضية اليومية تتجاوز في عدد صفحاتها صفحات الجريدة السياسية، وكذلك الحال في القنوات  الرياضية المتخصصة التي باتت مصدر دخل المحطات التلفزيونية التي تطلقها، بعد أن أظهرت التجربة أن أخبار السياسة لا تطعم خبزًا، ولا تقيم أودًا.

ورافق ذلك انغماس مسؤولين من عشاق الرياضة في رعاية النوادي أو استثمارها، وقد أدى ذلك إلى انتقال عدوى الحساسية السياسية والحزبية التي كانت تثيرها أخبار السياسة وموضوعاتها إلى الرياضة، وباتت الأخبار الرياضية من بين أبرز الموضوعات الخلافية التي يجد رؤساء التحرير صعوبات في تجاوزها واحتواء آثارها.

مناسبة هذا الكلام مونديال كرة القدم في روسيا الذي يعكس في تنظيمه، والحضور الدولي المكثف فيه، اهتمام العالم، والمكانة التي باتت الرياضة تحتلها في حياة الناس، وما تشكله من اعتبارات وطنية ومردود اقتصادي، وتفاعل ثقافي.

فمنذ أن أصبحت الأحداث الرياضية ندًا للأحداث السياسية، ومنافسًا لها في استقطاب اهتمام الناس، أصبح التوظيف السياسي للأحداث الرياضية من السمات البارزة في العلاقات الدولية. ولعلنا نذكر كيف أن العلاقات الأمريكية الصينية، التي أصبحت اليوم من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا، بدأت بمباراة بينج بونج بين البلدين، لتصبح تلك المباراه عنوانًا من عناوين مرحلة سياسية كاملة بدأت بحدث رياضي نادر أسس لما عرف لاحقًا بدبلوماسية البينج بونج .

وإذا كان هذا هو حال الرياضة بشكل عام، فإن لكرة القدم، مكانة خاصة، تتناسب مع جماهيريتها الطاغية، وتأثيرها الواسع. وبسبب ذلك جندت الدول ثقلها السياسي أو مقدراتها المادية من أجل تحسين حظوظها لاستضافة كأس العالم. بل إن هناك ما يشير إلى وجود ضغوط سياسية أو رشاوى مالية خلف الكواليس لعرقلة استضافة المونديال في دولة، وتسهيله لدولة أخرى، هذا ناهيك عن أن أزمات  سياسية سببتها الكرة أقربها تلك التي وقعت بين مصر والجزائر قبل عدة أعوام، وأكثرها دراماتيكية تلك الحرب التي وقعت بين  السلفادور وهندوراس عام 1969، والتي راح ضحيتها أكثر من 4000 شخص.

وكان يمكن أن تقف التدخلات في المونديال عند هذه الحدود، لكن يبدو أننا نشهد تصعيدًا متواصلًا بأكثر من اتجاه، لعل أبرزها محاولات استثمار المباريات لتحسين شعبية الطبقة السياسية، وتسهيل ركوبها لموجات التأييد الشعبي للفرق الوطنية المشاركة في المونديال، علمًا أن كثيرًا من رموز تلك الطبقة لم يكن لديها هذا الشغف باللعبة ولا الاهتمام بنجومها ومن يفوز أو يخسر فيها.

كذلك بينت متابعة المباريات أن التعليق على المباريات لم يعد مقتصرًا على الجوانب الفنية، بعد أن وجدنا صعوبة في تمييز خيط السياسة الأسود من خيط الرياضة الأبيض، فوجدنا أن المساحة المعطاة للتعليق الفني على المباريات، تتحول  إلى ميدان لتصفية حسابات وتوجيه رسائل سياسية تأييدًا لموقف سياسي أو انتقادًا لموقف آخر. فهذا معلق يُقحم قضايا سياسية بحتة، في معرض انتقاده لأداء فريق، فيما يمتدح آخر سياسة دولة ثانية في معرض تبريره لفشل فريق تلك الدولة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع