رحيل نجم النكسة أحمد سعيد

رحيل نجم النكسة أحمد سعيد
بوفاة أحمد سعيد بعد عمر مديد زاد على تسعين عامًا لا نعود إليه باعتباره جزءًا من مرحلة سياسية بل باعتباره نمطًا إعلاميًا لنقارنه بالأنماط الإعلامية التي تعبئ فضائياتنا وتسيطر على شاشاتنا وتتحفنا بكلام تافه أو فاسد أو حاقد

المصدر: تاج الدين عبد الحق

بعد غياب أشبه بغياب الموت، وعزلة أشبه بعزلة القبر، توفي الإذاعي والإعلامي المصري أحمد سعيد، في تزامن لافت مع  ذكرى يوم النكسة، التي حمل وزرها وكان رمزًا من رموزها.

ولإنعاش ذاكرة من نسي من هو أحمد سعيد، ولتعريف أولئك الذين لا يعرفونه، أو لم يسمعوا باسمه من قبل، نقول إن أحمد سعيد كان نجمًا إذاعيًا في محطة صوت العرب المصرية، التي كانت “جزيرة تلك الأيام أو عربيتها”، اختر ما شئت.

وحمل لفرط تأثيره في الرأي العام المصري والعربي جانبًا من مسؤولية هزيمة العرب، في حزيران 1967. ويمكن التأكد من ذلك بالرجوع إلى المقالات والتعليقات التي صدرت بعد تلك الهزيمة أو فيما تلاها من مراحل تاريخية، سجلت فيها تعليقات عكست نوعًا من تصفية الحسابات، بين الخصوم السياسيين. وأُخذ عليه حينها تهوينه من قدرة وقوة إسرائيل، ومبالغته في تقدير قوة الجانب العربي. ولأنه كان الحلقة الأضعف في قائمة طويلة ممن تحملوا وزر تلك الهزيمة، وتبعاتها، دفع الرجل الثمن بصمت، وغاب عن المشهد الإعلامي دهرًا طويلاً، ليصبح ذكرى من ذكريات هزيمة مازلنا نتجرع كأسها إلى اليوم.

ووُصف أحمد سعيد، في تلك الفترة، وما بعدها، بأنه كان متطرفًا في عدائه للخصوم، لا يتورع عن وصفهم بأقذع الأوصاف وبكلمات يعف اللسان عن ترديدها، وإعادة كتابتها، ولو على سبيل التوضيح. كما أنه كان متطرفًا في تأييده “لولي نعمته” وكان بارعًا في إطلاق الكلمات التي تسبغ عليه أوصافًا قد تصل به إلى مراتب الألوهية. وكان فوق ذلك كله صاحب صوت جهوري، يصل حد الزعيق، وكان يتدفق في الكلام بحيث لا يستطيع المستمع أن يتبين الفكرة إلا بشق النفس، وكان معظم الناس يأخذون ما يقول على أنه مدح أو شتيمة، فيقع المدح في نفس المؤيد وقعًا حسنًا فيما يكون تأثيره معاكسًا على المعارض وذلك الحال بالنسبة للشتيمة.

والخلاصة ركام من الكلام الذي لا يحمل فكرة ولا يقدم أي معلومة، ولا يقود إلى أي مكان، وأقصى ما ينتج عنه تغييب الوعي وكأنه نوع من المخدر الذي يستطيبه المحبون ويستلذ بسماعه المادحون، أو الشامتون.

وبوفاة أحمد سعيد، بعد عمر مديد زاد على تسعين عامًا، لا نعود إليه باعتباره جزءًا من مرحلة سياسية، بل باعتباره نمطًا إعلاميًا، لنقارنه بالأنماط الإعلامية التي تعبئ فضائياتنا وتسيطر على شاشاتنا، وتتحفنا بكلام تافه أو فاسد أو حاقد، دون أن نتبين “طريق الرشد، أو ضحى الغد”، على حد قول الشاعر.

وعلى خلاف إعلاميي اليوم الذين ينتقلون بين الفضائيات ويبدلون الميكروفونات كما يبدلون أحذيتهم، فإن المرحوم أحمد سعيد لم يبدل موقعه ولم يغير جلده ولم يتلون بتلون الزمان، بالرغم من أن الفرصة كانت موجودة أمامه والمجال واسع له، على الأقل لدى بعض الأنظمة التي اعتبرت نفسها امتدادًا، لنظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي عمل أحمد سعيد في ظله، وكان تعبيرًا من تعبيراته الإعلامية.

أحمد سعيد الذي حملناه وزر مرحلة كاملة، يعود اليوم بصور عديدة وأصوات لا تختلف في فجور عدائها، وفجور تأييدها عن مرحلة أحمد سعيد، إن لم تكن في كثير من الأحيان أعتى ضراوة، وأكثر شراسة. والأدهى من ذلك أن بعض الأنماط الجديدة من الإعلاميين ليست لها معايير سياسية أو أخلاقية واضحة، وهي في أغلبها نسخ كربونية تكرر بعضها البعض، سواء من حيث الأداء المعتمد على الزعيق والصوت العالي، أو من حيث المحتوى الذي لا يقدم ولا يؤخر، ويقوم على عداء غير منضبط، وفاجر، لكل من يخالفونها الرأي، أو يضيقون ذرعًا بفجورها وسبابها.

بوفاة أحمد سعيد تطوى صفحة إعلامية شكلت هوية لمرحلة سياسية. وإذا ما كان هناك كلمة في هذا المقام، فهي الدعاء للرجل ألا يحشره يوم القيامة، مع أبطال برامج “توك شو” هذه الأيام، إذ إنه سيكون بينهم، أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام. فقدرنا ونحن نشهد مرحلة تحول في تاريخنا السياسي أن نكون أمام مشهد إعلامي بالغ السوء، وعزاؤنا الوحيد الإيمان بأن ما ينفع الناس سيمكث في الأرض وأن الزبد مهما علا إلى زوال.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

محتوى مدفوع