هل تبدل الخليجيون ؟

هل تبدل الخليجيون ؟
A wheelchair-bound man is evacuated as tear gas is fired by Israeli troops during a protest where Palestinians demand the right to return to their homeland, at the Israel-Gaza border in the southern Gaza Strip, May 4, 2018. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa

المصدر: تاج الدين عبدالحق

بدأت ترتفع في الآونة الأخيرة، أصوات مستفزة هنا وهناك، تطال ما كنا نعتبره تابوهات لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها.. ولم يكن لصدى تلك الأصوات أن يثير هذا الإزعاج، لولا فرصة التعبير “الشخصي” التي أتاحتها وسائل التواصل الاجتماعي المتفلتة من كل قيد، والمندفعة بكل اتجاه .

وبدل أن تؤخذ الأمور بقدرها وتحسب بحسابها، أصبح البعض يعتبر أن ما يكتب في مواقع التواصل، من أراء غير مسؤولة، تعبير عن مواقف رسمية وسياسات للحكومات التي ينتمي لها بعض النشطاء المثيرين للجدل .

في هذا الإطار جاءت بعض التعليقات التي نشرها بعض المغردين الخليجيين، والتي تجاوزت على الكثير مما تعتبره الغالبية العظمى من العرب ثوابت وحرمات لا يجوز المساس بها .

ومع إدانة واستنكار ما نشره بعض الموتورين من المغردين الخليجيين الذين تجرأوا على بعض المسلمات الوطنية ” “بالدعاء بنصرة إسرائيل” ووصف القضية الفلسطينية “بأنها قذرة ” . فإن الإنصاف يقتضي أن ندين ووفق المبدأ نفسه، من كان يستسهل تخوين أشخاص وتجريمهم وتهديدهم والتشهير بهم لمجرد تغريدة غير مسؤولة هنا وتعليق منفلت هناك، لا يعبران إلا عن صاحبيهما، لاعن سياسات ومواقف رسمية.

وحتى نخرج من دائرة التعميم، ونسمي الأشياء بمسمياتها، نقول إن “التلاسن ” على صفحات التواصل الاجتماعي هو صدى لانهيار النظام العربي، وظهور تحديات جديدة، وخطيرة، حولت قضية فلسطين من قضية مركزية ووحيدة، تؤرق الشارع العربي، وتوحد مواقفه السياسية، وتضغط على توجهات حكوماته، إلى واحدة من بين بضع قضايا سياسية وأمنية مشتعلة، ممتدة في طول العالم العربي وعرضه.

فمن صراع واحد واضح المعالم ومحدد الهدف، وجد العالم العربي نفسه منغمسًا في أشكال مختلفة من الصراعات الإثنية، والطائفية، والمذهبية التي لم تعد تضغط على الأنظمة السياسية فقط ، بل باتت جزءًا من الخبز اليومي الذي تعيشه جل المجتمعات العربية، إما بشكل مباشر في الميدان، وإما بالتأثير من خلال ما تتركه من آثار وارتدادات على الأمن الإقليمي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية .

ولم يعد اللجوء الفلسطيني الذي كان يضغط، سياسيًا، وأخلاقيًا على عدد محدود من الدول العربية، حالة فريدة، بعد أن أصبح اللاجئون العرب بالملايين، وفي أصقاع مختلفة من العالم ، طلبًا للأمان، أو هربًا من ظلم الحاكم وجوره، أو فرارًا من الجوع وقسوته .

كل ذلك، حفر عميقًا في الوجدان العربي الذي بات مثقلًا بهموم تنوء بحملها الجبال، وبات بسببها منصرفًا إلى همه اليومي المباشر والذي لا يتعدى في كثير من الأحيان توفير خبز اليوم لأسرته، أو تأمين سكن يقيه حرّ الصيف، وقرّ الشتاء .

ومع تكاثر الندوب، وتعاظم الأهوال، وتزايد المخاوف، كان لا بد من الانتباه إلى تبدل أولويات المواطن العربي، وتغير لهجة خطابه ونظرته إلى ما يحيط به من أزمات، بعد أن باتت الكثير من المفاهيم السياسية والوطنية وحتى الدينية، غير قادرة على توفير إجابات مقنعة لأسئلته الكثيرة المعلقة وهمومه الكثيرة المؤجلة .

في هذا الجو المحموم بأسئلة كبرى تبحث عن إجابة، وفي غياب نظام عربي قادر على طرح البديل الذي ينير الدرب، ويشكل بوصلة للعمل المشترك، بات الكل منشغلًا بالبحث عن حلول ذاتية، ومخارج خاصة لأزماته ، ووصفات ” بديلة ” لعلاجها ، وتسكين آلامها .

إعلاء الصوت اليوم في مواجهة ما يعتبر تنكرًا للقضية الفلسطينة والقدس هو صدى لهذا التغير، والتبدل في الأولويات، والرغبة في الانعتاق من عجلة ساقية تدار بالأسلوب نفسه منذ سبعين عامًا .

وإذا كان هناك نوعٌ من التبدل في أولويات دول الخليج بحثًا عن خلاص فردي أو مواجهة لأزمات ذاتية، فإن ذلك ليس جديدًا في المنطقة العربية فبعض الدول العربية جعلت من أولوياتها الذاتية جزءًا حقيقيًا في سياستها تنظمه معاهدات واتفاقيات، والتابوهات التي كنا نجفل منها ونتهيب الاقتراب منها، باتت منذ زمن بعيد ” سداح مداح ” يتجرأ عليها كل من هب ودب، دون أن يخشى عتبًا أو عقابًا .

لكن المؤسف أن المقياس في النظر لسياسات الدول العربية ظل مختلًا ، ففيما يتم تجاهل أولويات دول الخليج والتحديات التي تواجهها في ظل محاولات الهيمنة الإيرانية في الإقليم ، هناك من يستنكر إدانه إيران ومواقفها، أو من يرضى أن يكون حليفًا لها، بحجة المقاومة والممانعة متغافلًا عما تقوم به في المنطقة من تحركات تشي بالرغبة بالتوسع والهيمنة .

في ” فقه الأولويات ” لا نطالب استبدال الحق بالباطل، ولكن باحترام أولويات بعضنا البعض . كيف لنا أن نطالب السوري بأن يتضامن مع الفلسطينيين مثلًا، ونحن نرى نفرًا من هؤلاء الفلسطينيين يتنكر لحقوق السوريين في العيش بوطن حر ديمقراطي، بل ويساعد على مصادرة هذا الحق بذريعة المقاومة والممانعة ؟ .

ألا نجد عذرًا لتغير أولويات السوري الذي بات مشردًا في وطنه ولاجئًا في العالم، حين يجعل من خلاص سوريا أولوية على ما عداها من أولويات قومية . ألا نعذر الخليجي الذي يرى التمدد الإيراني يحيطه إحاطة السوار بالمعصم، مهددًا استقلال أرضه، واستقرار عيشه وأمنه ؟ كيف لنا أن نقبل الإيراني الذي يستبيح العراق ويشرذمها طائفيًا ومذهبيًا ، وكيف لنا أن نبرر وجوده في سوريا وتأثيره وأصابعه في أكثر من دولة عربية، ونعتبر أي اعتراض على ذلك حرفًا للبوصلة عن فلسطين والقدس ؟ .

ألا نعذر العراقي الذي ينكفئ على همومه الذاتية بعد أن كان رأس حربة في الصراع مع إسرائيل ؟. ألا نعذر الليبي الذي باتت وحدة بلاده في مهب الريح وبعد أن توزعت أرضه الميليشيات ، وتحول ممرًا ومعبرًا وأحيانًا مقرًا للاجئين من القارة السوداء . التضامن كلٌّ لا يتجزأ، وملة الخطر ملة واحدة حتى لو اختلفت المسميات وتبدلت الذرائع .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع