اللبواني في إسرائيل: رحلة في التيه السوري نحو الحرية

اللبواني في إسرائيل: رحلة في التيه السوري نحو الحرية

دريد البيك

صادمٌ محمد كمال بن عبد الله اللبواني، ذلك الطبيب الفنان، كما البيئة التي احتضنته بجمالها وقسوة تضاريسها الجبلية على أطراف دمشق.

زيارته القصيرة لإسرائيل قبل يومين سبقتها دعوة منه قبل شهور للاتفاق مع الجيران الأعداء على مستقبل سورية بعد الأسد، كونها -من وجهة نظره- حامية النظام البعثيوحاضنة الحل لرحيله أو بقائه.

أمضي اللبواني، الشيوعي الليبرالي المؤمن –معا بكل تناقضات هذه الصفات- السنوات العشرة الأخيرة من عمره قبل الثورة في السجن بعيدا عن مرضاه وعيادته التي افتتحها في مسقط رأسه بالزبداني ليضع يده كما قال على مرض الوطن. لكن ذلك لم يبعده عن فنه ورسومه التي نذر لها وقته في انفراديته بالسجن فكانت لوحاته التي حطت في عواصم ”لعالم الحر“ فاضحة لقسوة سجون النظام المظلمة.

الرجل السبع والخمسيني من العمر والذي يفترض ان الزمن روضه وهذب جموحه والسنوات العشرة التي قضاها في سجون الأسد يفترض أنها أنهكته وأعادته للجادة التي يريدها النظام، لم تزد اللبواني إلا رغبة في الصدام حتى مع أقرب حلفائه ورفاق دربه.

في السنة الوحيدة التي قضاها خارج السجن بين فترتي سجن تأديبيتين في العقد الأول لحكم بشار الأسد قال اللبواني ما لم يجرؤ أي سوري قوله على مدى 50 عاما. وضع اللبواني يده على الجرح السوري بدعوته العلنية من العاصمة الأمريكية إلى المساعدة على إنهاء الحكم الطائفي العلوي المتمثل في عائلة الأسد في وقت كان الكثير يعول على إصلاحات يقودها الأسد بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، فاقتضى بذلك سجنه من على سلم الطائرة التي نقلته عائدا إلى السجن الكبير في الوطن.

ويؤرخ الكثيرون انطلاقة الثورة في سورية لحادثة الاعتقال الهمجي لأقراد من عائلة اللبواني ورفاقه من أمام مبنى وزارة الداخلية في وسط دمشق في 15 من آذار من العام 2011 للمطالبة بإطلاق سراحه مع مسجوني الرأي الآخرين وهي الحادثة التي سبقت مظاهرة درعا في الجمعة الدموية الأولى للثورة السورية في 18 من آذار لإطلاق أولاد الكتابات الجدارية ”أجاك الدور يادكتور“. والحادثتان على تقاربهما الزمني تشكلان بداية ثورة لم تهدأ حتى اليوم على نظام الأسد.

وفي محطات ترحاله المتعددة، حط اللبواني أخيرا في إسرائيل وذلك بعد أن غازلها شهورا آملا في حل عقدة الخوف لديها تجاه الثورة السورية، لكن زيارته التي بات لها من يؤيدها في وجدان السوريين بعد 42 شهرا من الثورة والقمع الدموي وسقوط آخر قناعات المقاومة والممانعة من على وجه النظام، أحرجت أيضا كثيرا من السوريين ممن مازالوا يؤمنون بأن ثورتهم على الأسد هي بوابة تحرير واجب يسبق تحرير سائر الشام الشريف بما فيها فلسطين المحتلة.

اللبواني الذي انتسب لائتلاف قوى الثورة والمعارضة بعد أن انتقد المجلس الوطني مرارا، انسحب من الائتلاف بطلاق يقول إنه بائن، ليسبب إحراجا لكل قوى الثورة والمعارضة بهذه الزيارة ”الخيانة“ لكل ما آمن وظل يؤمن به غالبية السوريين بأن العلاقة مع إسرائيل خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

ويعرف اللبواني تماما مقدار الصدمة التي سببتها زيارته لإسرائيل لقوى الثورة والمعارضة لكنه ربما يؤمن بأنها لم تعد تمثل الشعب كما يؤمن بنجاعة الصدمات الكهربائية لإعادة النبض لمرضاه.

يقول اللبواني مبررا الزيارة إنه سمع للانتقادات التي وجهت له بسبب زيارته لإسرائيل وهي كما يقول مفهومة ومبررة بل ومحقة ويجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. لكن الرجل يعد الزيارة من باب الضرورات التي تبيح المحظورات رغم خلفيته الشيوعية الثورية كأحد كوادر حزب العمل الثوري لشيخ نضاله رياض الترك، تلك الخلفية التي لا تعترف بواقعية الأديان وحلولها المتدرجة للمشاكل الإنسانية.

اللبواني يقول بحاجة السوريين للمنطق والعقلانية –بل ربما يقصد للساداتية نسبة لزيارة أنور السادات للقدس في العام نوفمبر 1977- وذلك في مرحلة خلط الأوراق التي تعيشها المنطقة حاليا.

ويضيف اللبواني إنه سعى من خلال زيارته التي وصفها بالأكاديمية! هو التشجيع على تبني موقف دولي داعم للشعب وقوى الاعتدال القادرة -لو نظمت- لإقناع الدول بفائدة مشاركة الشعب السوري والاعتماد عليه، كلاعب أساسي لملء الفراغ الحادث بعد سقوط النظام في المناطق السورية المحررة.

”إن هذا الهدف ”النبيل“ يستحق منا تجاوز الشكليات التي تأسرنا وتمنعنا من التواجد حيث يجب وحيث يفيد، والذي يعطينا أفضلية على النظام وقبول دولي يفوق القبول به،“ كما يقول اللبواني.

الرجل يؤكد أن الحملة الدولية على الارهاب التي انطلقت، ستكون حتما في خدمة النظام الذي أعلن مباركته ومشاركته سلفا وهو ما خطط له مسبقا وهي بالنسبة له حبل النجاة…“إذا تمت من دون تواجد ممثلين للشعب الذي ثار على الأسد ودون مشاركته في تصميمها ووضع وسائلها وأهدافه“.

وهو ما استوجب منه أن يزور إسرائيل لقطع الطريق عليه –النظام-، بإمكانات يعترف هو بأنه محدودة وبسيطة.

“ ومع ادراكي أن هذا العمل ليس فيه بطولة ولا مجد بل ضرورة موجبة وواجب ثقيل وتحمل للمسؤولية في أقسى وأصعب الظروف، والله أعلم بالنوايا“ يختم اللبواني تبريراته.

هنالك تيار سوري لابأس به يمثله اللبواني يبرر زيارة الرجل لإسرائيل في ظل هذا التجاهل الدولي والعجز العربي لحل معضلة الثورة التي تحولت إلى مذبحة للشعب السوري، لكن الشك في نجاح الطبيب الخمسيني من أن يحقق أهدافه يدفع الكثير من السوريين للهجوم عليه، ولو من باب تسجيل المواقف المزايدة على النظام الممانع للحد الذي يستجدي به التنسيق مع القوة التي ستضرب داعش على أرضه!

زيارة اللبواني لإسرائيل مفصل مهم في التحولات التي طرأت على التفكير السوري الجمعي لكنها قد لا تأخذ حظها من الاهتمام والدراسة على قراع طبول الحرب الجديدة في منطقتنا، لكنها بلا شك علامة فارقة في الانهيار الذي أصاب الوعي العربي.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة