حين تكون الجماجم عِزاً للوطن، والدم شرابا

حين تكون الجماجم عِزاً للوطن، والدم شرابا

المصدر: تاج الدين عبد الحق

للإرهاب أباء كثر. ..يعيشون بيننا، ومعنا، نعرفهم ونساكنهم، ونسكت عن أفعالهم وتصرفاتهم ، ولا نملك جرأة مواجهتهم، والتنبيه إلى أخطائهم ، أو خطرهم.

لا أقصد هنا الأباء المباشرين، الذين ُيذكرون دوما، في سياق تبادل الاتهامات، أو في سياق التفسير التآمري، لدور ، وتاريخ الحركات الإرهابية، وتاريخ نشوء ظاهرة الإرهاب، ومن يقف وراءها، ومن يمولها، ومن يرعى نشاطها. فالأقوال هنا كثيرة، والتفسيرات عديدة، يعززها كل فريق بشواهد ودلائل، تتوالد، وتتكاثر كلما تزايد خطر الإرهاب واستفحل انتشاره .

ما نقصده بآباء الإرهاب المعنى الواسع، الذي يمتد للأجداد الأوائل، الذين زرعوا بروح العصبية الجاهلية، بذرة الإرهاب، والآباء الذين رعوها، ونقلوها لأبنائهم جيلا بعد جيل ، على شكل ممارسات ظالمة، ومواقف شاذة، وقصص ملفقة، وتفسيرات ضيقة ، مجبولة بتاريخ مشوه، وعقد وإحباطات متوارثه .

أول أباء الإرهاب، التاريخ الحافل بتمجيد القتل ، أوالقائم على تأجيج المشاعر ، وبث روح الانتقام .

انظر كيف نتغنى بالقتل والموت فنجعل من جماجمنا سلما لعز الوطن، ومن الدم شرابا.

هذا التاريخ لم تصنعه القاعدة ولم يبدأ مع داعش والنصرة، ولم يتوقف على العراق والشام بل امتد على مدى التاريخ الإسلامي، وعلى مساحة بلاد المسلمين.

تاريخ كُتب جله، على هوى قلة من الناس ، وخدمة لمصالحهم . ليصبح شخوص ذلك التاريخ ، بقوة القهر، وطول التكرار ، رموزا مقدسة لا يمكن التشكيك بدروها ، أو نقد أفعالها .

آباء الإرهاب أيضا، المفسرون وأدعياء العلم الشرعي، الذين صادروا الدين، واحتكروا تفسيره، فخلطوا بقصد أو دون قصد ، بين تقديس النص، وبين تقديس التفسير ، فاصبح التفسير قيدا على النص ، بدل أن يكون فضاء له، يفتح أمامه أفقا يستوعب متغيرات المكان، وحادثات الزمان .

آباء الإرهاب نجدهم دون عناء، بين السياسين والقيادات، التي جاءت في غفلة من الزمان ، ومن خارج سياق أي شرعية، لتفرض نفسها على البلاد والعباد ، متسلحة بالقهر ، وجاعلة من الدين مطية، تحملها في دروب الظلم والظلام، وتفتح من خلالها أبواب الفساد والإفساد.

لم يكن لدى أولئك السياسيين، ما يعطونه لشعوبهم، فظلت الهالة التي رسموها لأنفسهم مرتبطة، بقدرتهم على البطش، وما يتحلون به من قسوة، ليصبحوا بطول المقام ضحايا انتقام خصومهم، أونموذجا لمريديهم وأتباعهم .

البيئة الحاضنة، هي كذلك، أم الإرهاب وأبوه، فيها تكاثر، ومنها توالد وفي أحضانها نما وترعرع الآلاف، ممن أرضعتهم هذه البيئة، كل ما يشيع في النفس اليأس والإحباط، وما يبعث فيها روح الحقد والانتقام.

بيئة لا تتوفر فيها أبسط مقومات الحياة الكريمة، وتحرم من يعيش فيها أبسط حقوق الإنسان، وتستحل بلا ضابط آدمية البشر، وتسمح بدون رأفة، بالتجاوز عليها، لتدفعهم في لحظة يأس أو إحباط ، إلى دائرة ضيقة تتساوى فيها، رغبة الحياة، بنداء الموت، ولتصبح هذه الدائرة بداية البحث عن خلاص، لا يجده المرء، إلا عند تجار الموت، حملة مفاتيح الجنة، المبشرين بحورها العين، المهددين بعذاب القبر.

أبو الإرهاب، هو من يختبيء في عباءة الدين ويتدثر بها ، جاعلا ، من فرشاة الأسنان ، بدعة تقود إلى الضلال لإن لها مواصفات غير مواصفات السواك ، أو مكفرا من يلبس ثوبا ضافيا ، لمجرد أن هذا الثوب ليس على قياس أثواب السلف.

أبو الإرهاب من جعل من الروايات المكذوبة والخرافات والأساطير بضاعة يتاجر بها، ويبيعها لبسطاء الناس الذين حرموا من العلم، على أنها جوهر الدين وعموده .

أب الإرهاب دول وسلطات رسمية، فتحت المجال لأدعياء الدين وتجاره، لاعتلاء منابر المساجد دون رقيب، ولا حسيب ، ووفرت لهم الحماية، وحصنتهم من الانتقاد، وشَرعت لهم أدوارا، مكنتهم من التسلط على رقاب الناس، بل وتكفيرهم، وإخراجهم من الملة ، مرة باسم قانون الحسبة ، ومرة باسم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .

الدول والسلطات الرسمية التي فتحت أبواب الاعلام الرسمي، ورخصت قنوات ومنابر خاصة، أمام الأدعياء، أو تجار الفتن، وأصوات التحريض، وأصحاب الفتاوى، ممن شرعنوا القتل بإسم الجهاد ، وكفروا الناس بإسم الالتزام ، هي من تتحمل وزر الإرهاب ، ومسؤولية حمايته وتوفير الملاذ له .

لايمكن أن نكون قادرين على تسويق روايتنا حول الإرهاب إن لم تكن لدينا الجرأة الكافية للاعتراف بمسؤوليتنا نحن. فقبل أن نتهم أعداءنا بأنهم رعاة الإرهاب وصانعوه، علينا أن نبدأ بأنفسنا، ونعرف الدور، الذي لعبناه، في تذكية نار الإرهاب وصناعته، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com