زيتون أثينا ليس دائما للأعلى والأسرع والأبعد – إرم نيوز‬‎

زيتون أثينا ليس دائما للأعلى والأسرع والأبعد

زيتون أثينا ليس دائما للأعلى والأسرع والأبعد

يوسف ضمرة

مساحيق الغسيل والتجميل على اختلاف أنواعها ومصادرها، لن تكون قادرة على محو تجاعيد الهزيمة الإسرائيلية، لا عن وجوه الساسة، ولا عن وجوه المستوطنين، ولا من بين كلمات المحللين والخبراء. ولعل كلام أحدهم“ إذا حدثني أحد عن النصر فسوف أبول في فمه، حتى لو كان نتنياهو“ يؤكد ما نقوله.

ليس الأمر تفاخرا أو انتشاء أو زهوا عابرا. فهو أكثر من ذلك بالتأكيد. فالمؤسسة الصهيونية التي حشدت قرابة مائة ألف جندي احتياط، كانت تفكر كما اعتادت في السابق؛ أعني حين كانت تنتصر في ساعات أو بضعة أيام. لم تتحرك هذه القوات بتسليحها العالي أكثر من مائتي متر، حتى فوجئت بأن الزمن تغير، والمعطيات تغيرت، وما كان من قبل أمرا طبيعيا ومحسوما لم يعد كذلك. الجيش الصهيوني عاد على الوراء. ولم نعد نسمع تهديدات قادة العدو المملة باجتياح القطاع.

أهمية هذه الحرب من الناحية الإستراتيجية، هي أنها أثبتت للفلسطيني المظلوم أنه قادر على مواصلة المقاومة، ومراكمة انتصارات وصمود وثبات، مقابل سياقات أخرى جرى تسويقها بوصفها الحل الوحيد المتاح أمام الفلسطيني، كسياق التفاوض الذي يشبه حكاية إبريق الزيت الفلسطيني“ حكاية لا تنتهي لمن لا يعرفها“.

ومن جهة أخرى فقد جعلت نتائج الحرب، قادة العدو ومستوطنيه يفكرون بالضرورة ـ إن لم يكن عاجلا فآجلا ـ أن معنى التعايش مختلف تماما عما ألفوه من قبل. وما ألفوه هو فرض الإرادة الإسرائيلية على الفلسطينيين بالقوة، ومن دون مبالاة بالنتائج.

ومن جهة ثالثة، فإن نتيجة الحرب، سوف تنعكس على الشعب العربي في أقطاره الأخرى. سوف يدرك المواطن العربي أن أنظمته كانت تكذب طوال الوقت، وهي تتحدث عن التسويات والسلام، بينما الحقيقة أنها كانت تقبل بالاستسلام والتبعية. وسوف يدرك المواطن أيضا، أن هذا الخوف من العدو وقدرته ”غير المحدودة“ ليس سوى صنيعة أنظمة عربية ليست معنية بمجابهة العدو أو التصدي لمشاريعه التي تتعدى فلسطين.

يوجد بيننا من يستخدم معيار الألعاب الأوليمبية في تحديد النصر والهزيمة. معايير “ الأبعد والأعلى والأسرع“. وهي معايير تصلح لتحديد مستحقي الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، وللرؤوس التي تستحق أن تكلل بزيتون أثينا. لكن هذه مجرد ألعاب وليست حربا.

والحرب تقاس بنتائجها السياسية قبل العسكرية، وقبل احتساب الخسائر في الجانبين. وهذه الحرب سياسيا قلبت مفاهيم بادت، وشكلت انعطافة جديدة في سياق الصراع العربي الإسرائيلي.

ثقافة جديدة سوف تتعين في المجتمعات العربية، وأولها المجتمع الفلسطيني. ثقافة الندية التي غابت عن العقل العربي لعقود مضت، سادت فيها ثقافة الهزيمة والاستسلام والخوف وفقدان الأمل واليأس والإحباط. ثقافة جديدة تراهن على عاملين أساسيين هما: الإنسان والزمن. ثقافة سوف تترسخ في الأجيال المقبلة التي لم تشهد الهزائم بل شهدت المواجهات الندّية والعجز الإسرائيلي وتداعي الجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي تبين أنها ليست مؤهلة لبنية تعيش يومها بين حربين!

لا أقول إننا استعدنا حيفا وعكا في هذه الحرب، ولكني أؤكد أننا في الطريق إليهما.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com