كومبارس لجنيف 2

كومبارس لجنيف 2

بافتراض انعقاد جنيف 2 الخاص بمعالجة الأزمة السورية ، تكون الأطراف المشاركة في الحرب الأهلية، أو الداعمة لها ، قد أقرت بأن خيار الحرب لم يعد حلا ، وأن كل ما يجري من الآن ، ولحين انعقاد المؤتمر العتيد، سواء كان ذلك عمليات عسكرية أو تصريحات سياسية ، هو في أفضل الأحوال محاولات لتحسين المواقف التفاوضية، أوتأمين أكبر قدر من المكاسب السياسية .

وبالرغم من أن عنوان المؤتمر وغايته حل الأزمة السورية ، إلا أن الأطراف الممثلة لسوريا فيه ، هي الغائب الأكبر وإن حضرت ، وهمومها وطموحاتها هي الأهون وإن تعددت .

فالأطراف السورية التي ستصل إلى جنيف، ليست هي من يتخذ القرارات، أويقدم التنازلات. وهي بالقطع ليست من يحدد طبيعة النتائج، أو نوعية المخارج . فهذه الأطراف باتت بشكل أو آخر رهينة، لقوى إقليمية أو دولية، تتحكم بالقرار السوري ، سواء كان هذا القرار تعبيرا عن رأي المعارضة، أو دعما لموقف النظام .

النظام السوري الذي فشل في بداية الأزمة في احتواء المعارضة ، يدافع في أحسن الأحوال ، عن دور سياسي له ، ضمن معادلة إقليمية ودولية ، وهو أدرك مبكرا أن بقاءه في السلطة ومحافظته عليها ، لا يرتبط بقدراته الذاتية وقوته العسكرية ، بقدر ما هو مرتبط بالمشروع الخارجي ، وبالدعم المادي والسياسي والعسكري الذي وفره له حلفاء الخارج .

أما الائتلاف السوري،- الممثل السياسي للمعارضة السورية – ، فهو يعرف بعد مسيرته المتعثرة، وتبدل الوجوه فيه ، أنه يغرد خارج سرب المعارضة الفاعلة على الأرض ، والموزعة بين أطياف سياسية وتنظيمية، وولاءات وتحالفات إقليمية لا يجمع بينها سوى الرغبة في التخلص من النظام ووراثته، أو تصفية حسابات خارجية وتسديد فواتيرإقليمية ، دون أن يكون بينها حسابات، أو فواتير سورية .

النظام السوري والمعارضة هما كورس لوصلة الضجيج السياسي التي يجري الإعداد لها في جنيف 2 ، وكلاهما النظام والمعارضة كومبارس في مشهد تمثيلي، أعدت فصوله ، واختارت أبطاله ومخرجيه، قوى غير سورية .

وعندما دعي هذا الائتلاف إلى لندن ، لحضور مؤتمر أصدقاء سوريا تمهيدا لمشاركة المعارضة في مؤتمر جنيف 2 كان رعاة المؤتمر، يدركون الصعوبة التي تواجهها هذه المعارضة ، في لملمة قواها المبعثرة ، بين اجتهادات مختلفة وطموحات متعارضة، خاصة عندما يبدأ وضع قائمة التنازلات التي يتعين على المعارضة تقديمها ، وجرد حسابات المكاسب التي ستحصل عليها ، وهي تنازلات ومكاسب لا تبدو فصائل المعارضة متفقة على طبيعتها أو حدودها ، إما لأسباب ايدولوجية أو لطموحات شخصية .

ولعل التمهيد لمؤتمر جنيف 2 ، بلقاء يعقد في نيويورك بين وزراء خارجية الدول الكبرى ، هو انعكاس لطبيعة التوازن في المعادلة السورية ، وتأكيد غير مباشر بأن دور الأطراف السورية في هذه المعادلة هو جزء من التفاصيل ، التي لا تقدم أو تؤخر ، إلا بالحدود التي ترتضيها، أو ترفضها الأطراف الأساسية في المعادلة .

التعويل على مؤتمر جنيف 2 لحل الأزمة السورية ، يتحول إلى نوع من الرجم بالغيب ، وإلى بحث عن عود ثقاب ، في كومة كبيرة من قش المشاكل الاقليمية والدولية ، التي لاتشكل الأزمة السورية فيها، إلا فرصة للمناورة، أو مجالا للمقايضة ، وقد كان الاتفاق على نزع السلاح الكيماوي السوري مثالا واحدا على تلك المقايضة ، فيما سيكون الملف النووي الإيراني، بكل تعقيداته ضمن حزمة المقايضات التي قد يتم بحثها داخل المؤتمر أو على هامشه .

المشكلة لم تعد سورية سورية ، بعد أن تفاقمت التدخلات الخارجية ، وتعددت الأصابع التي تعبث فيها، وتحركها تنفيذا لأجندات خاصة ومآرب سياسية ليس من بينها معاناة سوريا ولا مستقبلها ..

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎