يوم أصبحت من المراقبين

يوم أصبحت من المراقبين

المصدر: تاج الدين عبد الحق

كانت تلك، هي المرة الأولى التي أتعرّفُ فيها على ” المراقبين “.. وهم هنا المتخصصون في الفتاوى السياسية، الذين لا تكاد مطبوعة أو وسيلة إعلامية تخلو من فتاويهم وتحليلاتهم، والذين لا يترددون في ادعاء أن ما يصدر عنهم من اجتهادات وآراء، هو جوهر الحقيقة، وعُقدة القصة، مهما كانت غامضة، وتفاصيلها مبهمة، وأحداثها غير واضحة.

كان ذلك في عام 1978، وكنت وقتها في القاهرة، التي احتشدَ فيها الآلاف، من الصحافيين والإعلاميين الذين جاءوا إليها من كل فج عميق، لتغطية أعمال مؤتمر القاهرة التحضيري – وهو المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس الأسبق أنور السادات، عقب زيارته “التاريخية” للقدس المحتلة بهدف التحضير لمؤتمر جنيف الخاص بالشرق الأوسط.

كان المؤتمر اشتهر عالميًا باسم مؤتمر “ميناهاوس ” نسبة لاسم الفندق الذي عقد فيه المؤتمر. والفندق بالأساس قصر ملكي قديم حوّلته ثورة يوليو عام 1952 إلى فندق سياحي، اكتسب شهرة عالمية لقربه من منطقة الأهرامات.

في حدث بهذا الحجم وبهذا الكم من الصحفيين، كانت المنافسة  بين الصحف ووكالات الأنباء شديدة،  وكانت تسجل بالكلمة والصورة كل حركة وكل سكنة، ويُفسر كل تلميح، ولا يترك أي تصريح.  وكانت تتم متابعة ما يجري ابتداءً من حركة الناس في الشارع والمجالس، وانتهاءً بما يتسرب من خلف الكواليس، ومن القاعات المغلقة، والدهاليز المظلمة.

وزادت حدة المنافسة، عندما وصل بصورة مفاجئة مناحيم بيجن رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إلى مدينة الإسماعلية الواقعة على شط  قناة السويس، حيث كان الرئيس السادات يقضي إجازة في ضيافة  المقاول المعروف، ورجل الأعمال المشهور عثمان أحمد عثمان.

كان بيجن يحمل معه مشروع الحكم الذاتي الذي كانت إسرائيل اقترحته كحل للقضية الفلسطينية، وهو اقتراح لقي وقتذاك، معارضة قوية من الدول العربية، فضلًا عن الفلسطينيين الذين اعتبروه تجميلًا للاحتلال، وتقنينًا له.

ومع الإيقاع السريع، والمبهر لتطور الأحداث، أهمل الصحفيون في تقاريرهم الحقائق الأساسية للصراع، وكانوا يصورون التسوية كما لو كانت على مرمى حجر، والسلام في مدى النظر،  ولذلك فإنهم كانوا يتلقفون أي كلام وأي تحليل، يسندون به تقاريرهم، حتى لو كان تعبيرًا عن وجهة نظر شخصية أو اجتهادًا خاصًا تعوزه الموضوعية.  وفي الحالتين كان تضمين هذا الكلام وتلك التحليلات في التقارير، والقصص الإخبارية التي يطيّرونها إلى صحفهم ووكالات الأنباء التي يعملون بها باعتبارها ” أقوالَ مراقبين في العاصمة المصرية القاهرة “.

وفي سياق هذا الجو المحموم، جمعتني الصدفة بمجموعة من الصحافيين العرب والأجانب، إذ طرح صحفي هولندي سؤالاً:  حول إمكانيات توطين اللاجئين في مواطن اللجوء، كمخرج لقضية اللاجئين التي لم يكن بيجن يلحظها في مشروعه للحكم الذاتي، وحمل السؤال ما يمكن أن يكون مبررًا لفكرة التوطين وهو أن دول الخليج بما تمتلك من موارد نفطية، وما لديها من مجالات عمل كثيرة في ذلك الوقت، قادرة على استيعاب اللاجئين وإدماجهم.

ولأنني كنت الصحفي الوحيد الذي يعمل في منطقة الخليج، في تلك الجلسة، فقد أحسست أنني معني بالسؤال ومطالب بالإجابة، وشرحت ابتداءً أن الفلسطينين، لا يبحثون عن أي وطن، ولا يريدون أي أرض حتى لو كانت الفرص أمامهم واعدة، ومجالات الحياة واسعة، وإلا لاختلف توجههم النضالي من الأساس، ولأمكن إيجاد حلول دون هذا الكم من التضحيات.  وأذكر أنني تناولت -أيضًا- الظرف الإقليمي الخاص بمنطقة الخليج، ودور شاه إيران الذي كان يعتبر الخليج حديقته الخلفية، وهو ما كان يجعل حساسيته مفرطة إزاء أي تواجد عربي إضافي في المنطقة، فضلًا عن تواجد عربي مسيس كالفلسطينيين.

وذكرت ضمن الحديث -الذي كان مستفيضًا ومتجليًا بشكل نادر – بعض الأرقام التقديرية عن توزع الجالية الفلسطينية، الديمغرافي والمهني في منطقة الخليج. ولا أدري كم امتدت بنا الجلسة، إلا أنني في اليوم التالي وخلال استعراضي لتقارير وكالات الأنباء التي كانت تعلق في بهو الفندق أولاً بأول،  لفتت نظري قصة إخبارية حول ” احتمالات توطين اللاجئين في منطقة الخليج.  ومن باب الفضول أو من باب تداعي حديث الأمس قرأت التقرير بتمعن لأجد فقرات كاملة منقولة حرفيًا عما قلته في اليوم السابق، وقد نسبها كاتب التقرير إلى ” بعض المراقبين في القاهرة ” لأدرك -وقتذاك- أنني أصبحت مراقِبًا معتمدًا بينهم دون أن أعلم، وبغيرأن أُستأذَن.

الأدهى أن ما أوردَته الوكالة العتيدة كان بذاته منشورًا في اليوم التالي، في العديد من الصحف العربية ومنها الصحيفة الخليجية التي كنت أعمل بها في ذلك الوقت، بل إن زميلًا من كتَبة الأعمدة في الصحيفة، كتب تعليقًا عمّا سمّاه المخططات التي كشفت عنها تقارير إعلامية غربية، لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الخليج، عندها أدركت أن “الإفرنجي برنجي” حتى لو كان مصدرُ معلوماته وأخباره ” مراقبًا عربيًا “

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com