الانتفاضة الإيرانية جولة في معركة طويلة

الانتفاضة الإيرانية جولة في معركة طويلة

حتى لو صحت التقارير التي تقول بتوقف حركة الاحتجاجات الشعبية، التي شهدتها العديد من المدن الإيرانية خلال الأسبوعين الماضيين، فإن ذلك لا يعني انتهاء الأزمة، ولا يعني أن النظام الإيراني خرج من نفقها.

 فأزمة إيران ليست حركة جماهيرية عابرة أو مفاجئة، ولم يصنعها نشطاء متحمسون، وهي بالقطع ليست صدى لتحريض خارجي كما حاولت تصويرها الآلة الإعلامية الإيرانية، ومن يحالفها في الخارج عمومًا، وفي المنطقة العربية تحديدًا.

إيران تمتلك كل المفردات التي يتشكل منها مناخ التأزيم باستمرار، ابتداء من الخلافات بين المكونات العرقية والقومية لإيران، ومرورًا بالخلافات المذهبية والطائفية، وانتهاء بالانتهاكات المستمرة للحريات والحقوق الأساسية للإيرانيين، منذ مجيء النظام الحالي في عام 1979 وحتى الآن، هذا فضلًا عن المشكلات الاقتصادية والمالية والخدمية المزمنة.

ما حدث في إيران، منذ نهاية الشهر الماضي، والأيام الأولى من شهر يناير، لا يعدو أن يكون جولة في معركة طويلة ومعقدة، تخبو حينًا وتستعر أحيانًا. ومن الواضح أن تَتَابع جولات هذه المعركة لا يرتبط فقط بالتحركات الجماهيرية التي تشهدها المدن الإيرانية من حين لآخر، بل بالخلل السياسي والفكري المزمن الذي يحكم إيران والذي ينبئ على الدوام بانفجار الأزمات، واندلاع المواجهات.

ومنذ أربعين عامًا تتحاشى طهران مواجهة أزماتها بالهروب إلى الخارج، مرة بالتدخل في دول الجوار، ومرات تحت ستار المشروع السياسي أو الفكري والطائفي للنظام والذي لخصته منذ الانتصار على حكم الشاه بفكرة “تصدير الثورة”.

المفارقة أن النظام الحالي لم يحاول أن يستفيد من أخطاء الشاه، الذي انصرف عن مشاكل مواطنيه وهمومهم، بالتطلع ليكون شرطي الخليج، وهو ما أثار حفيظة القريبين والبعيدين، ولم يجدوا وسيلة للجم طموحاته إلا بالتخلص منه بثورة أطاحت بالأخضر واليابس، وأعادت إيران قرونًا إلى الوراء.

افتعال الخلافات مع الخارج، كسبيل للهروب من استحقاقات الداخل، سياسة مجربة ومعروفة، في كل الأنظمة المحكومة بأطر أيديولوجية. لكن التجارب السابقة أثبتت أن هذه السياسة غير مضمونة النتائج، وليست قادرة على التغيير، وهي في أحسن الظروف نوع من كسب الوقت، وغالبًا ما نشهد بعدها أن الدول التي انتهجت مثل تلك السياسة تنهار سريعًا وتتغير سياساتها 180 درجة، لتسقط كأوراق الخريف، ولا تكون قادرة بعدها حتى على المحافظة على كيان الدولة ذاته، وهذا ما رأيناه في تجربة الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوروبا الشرقية فضلًا عن دول عربية، تغيرت سياساتها وتبدلت تحالفاتها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، على وقع مشكلات حياتية وسياسية داخلية، لم تستطع الأنظمة العسكرية مواجهتها.

كل ما تنجح فيه سياسات الهروب للخارج هو تأجيل المواجهة وترحيل الأزمات من عام إلى عام ومن جيل إلى جيل، حتى إذا كبرت الاستحقاقات واتسع نطاقها، وزادت كلفتها، تنفجر الأزمة أو الأزمات دفعة واحدة، وتبدأ من سطرها الأول، ومن نقطة الانطلاق الأولى.

بمقارنة وضع إيران أيام الشاه، التي توصف بأنها أيام سوداء، على صعيد الحريات، وعلى مستوى المشاكل الحياتية والاقتصادية التي يعاني منها الشعب الإيراني، يبدو الأمر وكأننا “محلك سر” أو حتى “للخلف در”. فالكلف المعيشية للإيرانيين تضاعفت مرات عدة، وشريحة الفقر التي كانت سببًا في انهيار النظام الشاهنشاهي اتسع مداها بعد أن انضم إليها ما كان يعرف بالطبقة الوسطى التي تقلص وجودها بعد أن تآكل دخلها بفعل التضخم المالي وبسبب ارتفاع الأسعار وتفشي البطالة.

إيران التي انتهجت منذ وصول النظام الحالي للحكم سياسة قائمة على التدخل في شؤون دول الجوار، وجندت في سبيل ذلك الروح الطائفية والمذهبية، إنْ داخل إيران أو في الجوار، تجد اليوم نفسها عاجزة عن توظيف الرابطة الطائفية والمذهبية كقاسم مشترك جامع يحمي الجمهورية من السقوط تحت معاول الانتفاضة التي انطلقت للمطالبة بحقوق أساسية من كل نوع. والنتيجة الوحيدة التي تحققت من وراء التحشيد الطائفي والمذهبي، طوال السنوات التي حكمت فيها الطبقة الدينية الإيرانية، هي زيادة معاناة الإيرانيين وزيادة عزلتهم، وسد أفق الأمل أمامهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎