الفيتو يبعد واشنطن عن دور الوسيط

الفيتو يبعد واشنطن عن دور الوسيط
President Donald Trump meets with Palestinian leader Mahmoud Abbas in the Oval Office of the White House, Wednesday, May 3, 2017, in Washington. (AP Photo/Evan Vucci)

المصدر: تاج الدين عبد الحق

الفيتو الذي جعل الولايات المتحدة تستفرد زمنًا، بمساعي تسوية الصراع العربي الإسرائيلي ، هو نفسه الذي يقصيها اليوم، عن موقعها كوسيط مقبول في ذلك الصراع .

ففي المرات العديدة التي تعثرت فيها المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية – وما أكثرها – أو تلك التي انسدت عندها آفاق التسوية، كانت المحاولات الفلسطينية والعربية، للجوء للأمم المتحدة كبديل لوساطة واشنطن، تصطدم بموقف أمريكي ، يعارض أي دور للمنظمة الدولية، بحجة أن تدخل الأمم المتحدة، من شأنه تعقيد مسيرة المفاوضات، والتأثير على قضايا الحل النهائي، ومن بينها القدس .

اليوم، وبعد أن اعترفت الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ، لم تعد المقولة الأمريكية صحيحة، ولا مقنعة. فموقف واشنطن من وضع المدينة المقدسة، ليس قفزًا على قضايا الحل النهائي فحسب، بل هو انتهاك للأسس التي قامت عليها المفاوضات أصلًا، وانتهاك للقانون الدولي والقرارات الأممية، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية .

وعلى غير المحاولات السابقة، التي أجهضتها الولايات المتحدة، فإن اللجوء إلى الأمم المتحدة هذه المرة، لم يكن هدفه الفعلي معالجة الصراع العربي الإسرائيلي، بقدر ما استهدف تصحيح المعادلة المختلة، التي جعلت واشنطن تحتكر مساعي التسوية، وجهود الوساطة .

وطوال تلك الفترة من المراوحة، كانت الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، تراهن على الزمن؛ لفرض واقع جديد على الأرض. وقد نجحت واشنطن في هذا إلى حد بعيد، حيث تم تقزيم الصراع بأبعاده التاريخية والسياسية والقانونية، وجرى حصره في موضوع الاستيطان، ثم في مرحلة تالية، بتجميد بناء المستوطنات، والحديث عما عرف بالنمو الطبيعي وغير الطبيعي، لمشاريع الاستيطان والمستوطنات الشرعية وغير الشرعية، و كان من نتيجة ذلك أن تغولت المستوطنات على الأراضي الفلسطينية، ومزقتها للدرجة التي أصبح فيها هدف التفاوض المعلن، المتمثل بحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية، هدفًا غير ممكن، حتى لا نقول غير واقعي.

المشهد نفسه مع اختلاف في التفاصيل، يتكرر في موضوع القدس، فقرار الاعتراف الأمريكي بها عاصمة للدولة العبرية، وحسم السيادة عليها مسبقًا، ومن جانب واحد ، بكل ما يعنيه ذلك على صعيد مسيرة التفاوض، هو نوع من الاستقواء، ومحاولة لفرض واقع لا يمكن تجاوزه، وفرضه إما برضوخ فلسطيني وعربي وإسلامي، أو بصمت دولي.

وقد حاولت إدارة الرئيس ترامب، قبيل اجتماع مجلس الأمن، الخاص ببحث القرار الأمريكي الاعتراف بالقدس، وقبل اجتماع الجمعية العمومية، أن تعطل بالفيتو حينًا، وأن تضغط بسلاح المساعدات حينًا آخر؛ لمنع إدانة المجتمع الدولي لذلك القرار. لكن الإجماع العالمي، كان أكبر مما كانت تتوقعه واشنطن، وأكثر مما يمكن أن تحتويه دبلوماسية الترهيب والترغيب، التي حاولت استخدامها.

استهزاء الإدارة الأمريكية بالتصويت، أوعدم اكتراثها بما يترتب عليه من نتائج سياسية وقانونية، لايعني أنها غير مهتمة وغير معنية، وهو في أفضل توصيف نوع من المكابرة، وشكل من أشكال العناد والرعونة، وإلا لما أطلقت العنان لتهديداتها، بقطع المساعدات عمن صوت لصالح قرار الإدانة، ولما هددت بتقليص الالتزامات والمعونات، التي تقدمها للمنظمة الدولية والهيئات التابعة لها، بعد أن أصبح لأصوات معارضي السياسة الأمريكية، صدى واضح فيها.

الولايات المتحدة، تدرك أن قرار الجمعية العمومية لن يكون نهاية المطاف، وأن المعركة الدبلوماسية التي دخلتها لن تكون سهلة، وأن الأدوات التي تستخدمها لاحتواء تبعات القرار، لن تكون فعالة، إن وجدت أن هناك في الجانب الآخر، من يصر على خوضها حتى النهاية. وسلاح المساعدات الذي تشهره واشنطن، في وجه كل من عارض وصوت ضد القرار، ليس أكثر من تهويش، فواشنطن تعلم أكثر من غيرها، أن المساعدات التي تقدمها للأطراف في الشرق الأوسط، ليست لسواد عيونهم، بل هي جزء من كلفة حماية الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، قبل أي شيء آخر .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة