هكذا سيتراجع ترامب عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل

هكذا سيتراجع ترامب عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل
A general view of Jerusalem's Old City shows the Western Wall, Judaism's holiest prayer site, in the foreground as the Dome of the Rock, located on the compound known to Muslims as Noble Sanctuary and to Jews as Temple Mount, is seen in the background December 10, 2017. Picture taken December 10, 2017. REUTERS/Ammar Awad

تاج الدين عبدالحق

حتى لا تكون أصوات المحتجين على قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس المحتلة بدلًا من تل أبيب، ”صرخات في واد أصم“ وحتى تصل الانتفاضة الشعبية والجهد السياسي والتحرك الدبلوماسي، إلى برنامج حقيقي يتصدى للإجحاف الذي لحق بالفلسطينيين ومن ورائهم العرب والمسلمون جرّاء القرار الجائر، لا بد من التعامل مع القرار بأسلوب عملي يتناسب مع حجمه من ناحية، ومع وجود إمكانيات فعلية لتغييره، أو إفراغه من مضمونه العملي أو تعديله، من ناحية ثانية.

واقع الحال يشير إلى أن الإدارة الأمريكية لا يمكن أن تتراجع صراحة، عن قرارها حتى لو أدركت ما في القرار من رعونة، وأنه كان قرارًا خاطئًا أو متسرعًا، فدولة عظمى كالولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل الخضوع لأي شكل من أشكال الضغط حتى لو كان ذلك من باب المكابرة والعناد، وحتى لو كان لدى من يمارس ذلك الضغط مطلبٌ محق، وأساسٌ قانوني عادل.

لكن ردة الفعل المفاجئة إزاء القرار في مختلف أوساط المجتمع الدولي، بما فيها القوى الحليفة تقليديًا لواشنطن، تركت ثغرة يمكن النفاذ منها واستثمارها، للقيام بتحرك دبلوماسي وقانوني يقوّض قرار ترامب، أو على الأقل يعرقل تنفيذه دون أن يأخذ هذا التحرك شكل مواجهة تحصر خيارات واشنطن، بين التراجع والانصياع للضغوط، وبين المكابرة والاستمرار في العناد.

وإلى الآن فإن واشنطن رغم قرارها المعلن، لم تغلق الباب أمام الحلول، وتركته مواربًا أمام المخارج. صحيح أنها ليست في وارد الاستجابة للضغوط السياسية، والحركة الدبلوماسية والقانونية، لكنها بسبب مكانتها العالمية والتزاماتها الدولية مضطرة للعمل مع شركائها في المنطقة والعالم لاحتواء ردود الفعل على القرار، من خلال البحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه، أو حلول وسط ترفع عنها الحرج.

من بين المخارج، التي يمكن أن تكون متاحة في أي حوار مع الإدارة الأمريكية، مطالبتها بالاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وهو اعتراف من شأنه وضع عِصي في عجلة تنفيذ قرار ترامب الأخير الممالئ لإسرائيل، دون أن يعني ذلك -بالضرورة- تراجعًا صريحًا عن هذا  القرار.

اعتراف من هذا النوع فيه شيء من التوازن، إذ يعني أن واشنطن تعترف لكل طرف من أطراف النزاع بما يريد، حتى لو كان التفسير عند كل طرف اعترافًا  ملتبسًا وغامضًا، من الناحية السياسية أو القانونية.

نظريًا، اعتراف واشنطن بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية — التي لا تمانع واشنطن قيامها بل تشجع عليها كحل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي — لا يتعارض مع اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، خاصة وأن قرار ترامب لا يتضمن إشارة صريحة للقدس كمدينة موحدة، وكعاصمة بالصيغة التي تطلبها إسرائيل، والتي دأبت على ترديدها في كل مرة يثار فيها موضوع المدينة المقدسة.

في الجانب الآخر، فإن الفلسطينيين لا يطالبون في مفاوضاتهم مع الجانب الإسرائيلي وفي لقاءاتهم مع المسؤولين في المجتمع الدولي بأكثر من القدس الشرقية التي كانت قائمة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 عاصمة لدولتهم المستقلة، وهي مطالبة تتفق والقرارات الدولية ذات الصلة، وتتفق -أيضًا- مع نظرة المجتمع الدولي، كما عبّر عنها الاجتماع الأخير لمجلس الأمن.

ومع أن واشنطن لم تقدم ما يكفي من الإيضاحات التي تطمئن الفلسطينيين وحلفاءهم من العرب والمسلمين بأن قرار ترامب لا يصل حد الإقرار بضم القدس الشرقية وتوحيدها كعاصمة أبدية لإسرائيل، إلا أن هناك مؤشرات على أن واشنطن لا تزال -رغم قرار الرئيس الأمريكي- تحفظ بعض خطوط الرجعة، وعناصر الحلول الوسط بهذا الاتجاة .

فإلى جانب إعلان وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيرلسون أن الاعتراف الأمريكي لا يحدد المصير النهائي للقدس،  وأن ذلك متروك لمفاوضات الوضع النهائي، فإن الإدارة الأمريكية سرّبت معلومات مفادها أنها يمكن أن تختار مكانًا في القدس الغربية لإقامة سفارتها، وأنها تحتاج بضع سنين لبناء السفارة هناك، وهو ما قد يخفف من ردة الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية على القرار، بل قد يعيد الدوران لعجلة العملية السلمية المصابة -الآن- بالشلل التام.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com