القدس بين بلفور المشؤوم وترامب الأرعن 

القدس بين بلفور المشؤوم وترامب الأرعن 

يُذكّر قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس الشريف، عاصمة لإسرائيل، بالوعد المشؤوم الذي كان وزير الخارجية البريطاني “آرثر بلفور” قد قطعه للصهاينة قبل مئة عام، وبالتحديد في الثاني من نوفمبر العام 1917، والمتضمن تعهد الحكومة البريطانية في ذلك الوقت بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وأيامها كانت بريطانيا هي القوة الأعظم، والإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وكان منطق القوة وسطوتها، هما ما يحكم علاقاتها بالعالم، ويحدّد سياساتها وتوجهاتها. وبفعل تلك الهيمنة، وتأثيرها نجحت بريطانيا بتنفيذ وعدها، والذي منحت بموجبه أرض فلسطين ليهود جاءوا إليها من مختلف بقاع العالم، وتشرّد بسببه الفلسطينيون إلى المنافي ومخيمات اللجوء التي ما زالت تحكي قصة معاناة مستمرة منذ سبعة عقود.

واليوم يُعيد التاريخ نفسه، وها هي الولايات المتحدة، ومن موقعها الذي تكاد تنفرد به بشؤون العالم، تتّخذ قرارًا من جنس ذلك الوعد، وعلى المنوال ذاته، لتُعطي به – دون اعتبار سياسي، أو رادع قانوني، ولا حتى وازع أخلاقي- صكًا يُشرعن الاحتلال الإسرائيلي للقدس، ويفتح باب تهويدها على أوسع نطاق، دون اعتبار للقرارات، والحقوق الدولية، وبتجاهل تام للالتزامات السياسية، مع استهانة كاملة بالمجتمع الدولي الذي يرفض القرار، ويعتبره اعتداءً على كل القيم الإنسانية والحقوقية.

وكما أسس “وعد بلفور” لمائة عام من الآلام والعنف في عموم الشرق الأوسط، يأتي قرار ترامب الأرعن منذرًا بمئوية عنف وصراع جديدة، ومئوية أخرى من المعاناة الفلسطينية.

والنتيجة المباشرة لقرار ترامب، أنه أخرج الولايات المتحدة من دور الوسيط في عملية السلام، إلى موقع الشريك في العدوان بكل ما في الكلمة من معنى. فإقرار واشنطن بشرعية ضم القدس، ليس موقفًا سياسيًا، بل هو اعتداء مادي مباشر من الإدارة الأمريكية على الفلسطينيين أولًا ومن ورائهم العرب والمسلمين ثانيًا، كما أن القرار يُسهم تلقائيًا بتعقيد فرصة استعادة الفلسطينيين  لحقوقهم المشروعة وفق قرارات الشرعية الدولية، خاصة بعد ما تبرَّأ “ترامب” صراحة من حلّ الدولتين الذي كانت قد  التزمت به الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وذلك عندما ربط تأييد واشنطن لهذا الحل باتفاق الفلسطينيين والإسرائيليين عليه، وهو الأمر الذي لا يمكن الوصول إليه في ظل المماطلة الإسرائيلية، وفي ظل سياسات الاستيطان  الممنهجة والتي تلغي عمليًا أي معنى جغرافي للدولة الفلسطينية حتى لو تحقق اتفاق حولها.

والأمر الآخر الناتج عن القرار المشؤوم، والذي يتجاوز في آثاره القضية الفلسطينية، هو دور الولايات المتحدة، ومكانتها في المنطقة، فالواضح أن الارتدادات المنتظرة للقرار في العالمين العربي والإسلامي ستترك ظلالًا قاتمة على الشراكة التي تتطلع لها الدول العربية والإسلامية مع الولايات المتحدة منذ القمة العربية والإسلامية مع الإدارة الأمريكية التي عُقدت في الرياض، في مستهل عهد ترامب، والتي اعتبرها مراقبون مقدّمة لتغيّر نوعي في تعاطي واشنطن مع قضايا المنطقة وما تواجهه من تحديات وأخطار.

لقد وضع قرار ترامب الخطير الدول العربية والإسلامية المعتدلة في موقف حرج، وترك للقوى المتطرفة، سواء أكانت دولًا أم تنظيمات، فرصة استغلال القرار، والمزايدة عليه، لا رغبة في التصدي له واحتواء آثاره، بل  لتصفية حساباتها السياسية مع خصومها في المنطقة، وتقويض كل الفرص المتاحة لاستعادة الاستقرار، وعرقلة الجهود المبذولة للانتصار في الحرب على الإرهاب.

وقد يكون من الصعب إقناع الإدارة الأمريكية الحالية بالتراجع عن قرارها المتسرّع، لكن هناك متسعًا من الوقت لإفراغ القرار، من مضمونه وقوته التنفيذية، من خلال الضغط باتجاهين: الأول العمل لتأجيل التنفيذ، وهو أمر متاح في ضوء التقديرات التي أعلنتها إدارة ترامب، التي قالت إن تنفيذ القرار يحتاج لعدة سنوات. والثاني الضغط باتجاه تفعيل الأدوات الدولية والحقوقية خاصة محكمة العدل الدولية من أجل إلغاء القرار، أو إبطاء عملية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ومنع اعتبار هذا النقل -إن حصل- سابقة تتيح لدول أخرى أن تحذو حذو واشنطن في هذا الاتجاه.

والاحتجاج على قرار واشنطن على أهميته، وعلى المعاني الوطنية والأخلاقية التي يجسدها، لا يغني عن عمل سياسي منظَّم ومستمر، ومثابر، لإجهاض قرار ترامب، والذي يعلم الجميع أن رعونته وتسرّعه قد يجعلان من ولايته الحالية الفرصة الأولى والأخيرة له في البيت الأبيض.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎