مؤتمر جنيف السوري وتفاهمات الكبار

مؤتمر جنيف السوري وتفاهمات الكبار

التمهيد الذي جرى للدورة الجديدة من مؤتمر جنيف الخاص بالأزمة السورية، أهم من المؤتمر نفسه، والذاهبون هذه المرة لا يذهبون للتفاوض بل لاستلام حصصهم من اتفاقات الكبار، وتفاهماتهم.

وما رشح من معلومات عن قمة سوتشي الثلاثية، ومن قبل القمة السعودية الروسية واللقاء الذي جرى بين الرئيس بشار الأسد والرئيس بوتين، هي المكونات الأساسية لطبخة جنيف المنتظرة.

الواضح حتى الآن أن خيوط اللعبة السياسية بيد الروس، فلهم قنوات اتصال بالجميع، فضلًا عن أنهم القوة المرجحة في الميدان، ومع ذلك فإن الروس لا يريدون أن يفرضوا رؤيتهم، ولا مشروعهم الخاص، وهم يريدون التدرج بدورهم في حل الأزمة سياسيًا، كما تدرجوا في دورهم بحسم المواجهة عسكريًا.

فالتدخل العسكري الروسي في البداية كان مرفوضًا ومستنكرًا، لا من قبل المعارضة السورية فحسب، بل من قبل الولايات المتحدة، والقوى الإقليمية المساندة لتلك المعارضة، لكن ما لبثت روسيا أن أقنعت الجميع أن تدخلها كان ضروريًا، بل ووحيدًا، للدرجة التي بدأ معها الجميع يتقاطرون إلى موسكو بحثًا عن مخرج من المآزق التي انتهت إليها المعارك في الميدان، أو ما نتج عن تغول الفصائل المسلحة في القتال.

التسويات الميدانية، ذات الطبيعة العسكرية، التي نجحت روسيا في ترتيبها لبعض مظاهر الأزمة السورية، هي الآن باتت أساس التسويات السياسية المنتظرة، فعبرها تمّ تحديد قوى المعارضة التي يمكن أن تشارك في المرحلة الانتقالية، ومن خلالها تمّ تحديد القوى والفصائل التي يتعيّن تصفيتها واجتثاثها.

 ومن خلال تلك التسويات تمّ استبعاد القوى المتطرفة التي أعاقت تقدّم المعارضة وعطلتها وعرقلت مسيرتها، وتمّ التوافق سريعًا بين كل الأطراف الإقليمية والدولية على تصنيف من يعتبر في صف الإرهاب، ومن هو في صف المعارضة المقبولة والمعتدلة التي يتعين حمايتها ودعمها و استيعابها وإشراكها في الحل.

وتفتقت القريحة الروسية في الاجتماعات العسكرية التي عقدت في العاصمة الكازاخستانية أستانا عن فكرة مناطق خفض التوتر، والتي تمّ من خلالها التحديد الجغرافي لنفوذ قوى المعارضة المقبولة، وتحديد مناطق نفوذ النظام السوري والقوى الحليفة له.

وبقدر ما أسهم هذا الترتيب في تحسين المناخ الذي يمهد لمفاوضات التسوية وحلحلة الكثير من العقد الميدانية، فإنه أسهم أيضًا في الإبقاء على الدور السياسي لقوى المعارضة المعتدلة، والذي كان قد تآكل كثيرًا بفعل الضربات العسكرية الكثيرة التي تلقتها تلك القوى وأدت إلى تشتت قيادتها والتنازع بين منصاتها.

روسيا في مرحلة ما بعد المواجهات العسكرية الأساسية، التي انتهت بخروج داعش، وأقوى الفصائل المسلحة التي تقاتل النظام من الميدان، بدأت تتحرك سياسيًا لتحقيق هدفين هما:

1- الإبقاء على خيوط اللعبة في سوريا بيدها، بما في ذلك ترتيب الوضع السوري بالشكل والكيفية التي تحفظ فيها موسكو مصالحها الاستراتيجية في سوريا بما في ذلك التواجد العسكري الدائم.

2- تأمين حالة من التوازن الإقليمي الذي يحفظ لموسكو دور الشريك في شؤون المنطقة ومستقبلها، وهو ما يتطلب بالضرورة رعاية بعض التفاهمات المباشرة وغير المباشرة بين القوى الإقليمية، وتأمين التوافق على تنازلات متبادلة بينها، وتشير الدلائل إلى أن مسعى روسيا في هذين الاتجاهين يحقق نتائج ملموسة.

وبحسب التسريبات التي رشحت عن التحركات الدبلوماسية الروسية الأخيرة، فإن موسكو تضغط لإنجاز بعض التنازلات التي يمكن أن تشجع أطراف المعارضة، والقوى الداعمة لها على الالتقاء مع النظام في منتصف الطريق.

كما أن القضايا الخلافية التي تتركز حول مصير الرئيس السوري بشار الأسد قطعت مرحلة مهمة، وسط توقعات بأن موسكو لم تعد تتمسك به كشخص، وأنها تعمل على تأهيل قيادة بديلة من رحم النظام ووفق آلية انتخاب مقبولة للمعارضة.

كذلك فإن موسكو تبدو مستعدة الآن لبحث بقاء القوى الأجنبية الحليفة للنظام في سوريا، وهو أحد أهم المطالب التي تطالب بها القوى الإقليمية وفي مقدمتها السعودية، ولعل في تصعيد السعودية مؤخرًا موقفها من تدخل حزب الله في سوريا، والذي جاء بعد زيارة الملك سلمان لموسكو، ما يشير إلى أن روسيا باتت تتفهم الهواجس السعودية من بقاء النفوذ الإيراني واعتبار هذا النفوذ عاملًا معيقًا لأي تسوية سياسية للأزمة السورية.

في ضوء هذه المعطيات فإن مؤتمر جنيف المقبل قد يحقق نقلة نوعية، ويحقق نتائج أفضل من كل الدورات السابقة، فالمؤتمر يبحث في تفاصيل كثيرة تتعلق بدستور المرحلة الانتقالية، وهو أمر سهل قياسًا للنقاط الخلافية الحادة التي يبدو أن معالجتها والتعاطي معها جزءٌ من  تفاهمات الكبار، وجل ما تستطيعه أطراف المعارضة السورية التي تجتمع مجددًا في جنيف هو القبول بالحصة المعروضة عليها، حتى لو كانت أقل بكثير مما كانت عليه في الشهور الأولى من الثورة أو أدنى بمراحل مما كانت عليه في ذروة الأزمة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎