ما يجري في السعودية تصحيح أم انقلاب؟

ما يجري في السعودية تصحيح أم انقلاب؟

ما يدور في المملكة العربية السعودية وما صدر فيها من أوامر وقرارات ملكية، أكثر من تصحيح، وأقل من انقلاب.

فالتصحيح بمعناه اللغوي – لا بالمعنى الذي عهدناه في الحركات التصحيحية العربية – لا يطال في العادة، مثل هذه المروحة الواسعة من المؤسسات والأشخاص، ويظل محدودًا ببعض السياسات والأشخاص، دون أن ينال الثوابت والأسس، أو يلغي ما تحقق من إنجازات وما فات من تجارب  مكتفيًا في معظم الأحيان، بالتعديل حذفًا أو إضافة .

 أما الانقلاب فهو عكس ذلك، فقد يعني البدء من الصفر، وإنكار التجربة السابقة، وشيطنتها، والإساءة لرموزها، وتقزيم إنجازاتها (…) فضلًا عن أن الانقلاب هو نوع من التغيير الفجائي الذي قلما يستشعر الناس إرهاصاته، أو ينتبهون للمؤشرات الأولية الدالة عليه.

في الحالة السعودية، لا يمكن القول إن القرارات غير المسبوقة، في شمولها، ومداها، وتنوّع ارتداداتها، هي “إجراءات تصحيحية محدودة التأثير، ولا يمكن -بالمقابل- وصفها بأنها  قرارات انقلابية تقطع مع الماضي السياسي للمملكة، وتتنكر للتجربة السابقة، حتى لو وضعت تلك القرارات  التجربة كلها تحت مجهر المراقبة والمراجعة، أو سلّمتها مبضع النقد لاستئصال واجتثاث الفاسد منها.

فالقراءة الأولية للقرارات، تشير إلى أنها لم تكن مفاجئة، إلا لمن تعوزه القدرة على قراءة السياسة السعودية، أو يعجز عن تتبع ما يصدر عنها، والربط بين معانيها ودلالاتها. والواضح أن هذه القرارات كانت جزءًا من عملية التغيير المتواصلة، التي بدأت مع  تسلّم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم قبل أكثر من عامين، وتصاعدت وتيرتها مع التطور في عملية التطبيق الميدانية.

وبغض النظر عن مستوى ونوعية وأبعاد ما أحدثته القرارات الجديدة، من ارتدادات، فإن التغيير المنتظر، سيكون تعبيراً عن ضرورة وطنية، وحاجة فعلية، أكثر من كونه تعبيرًا عن رؤى سياسية، وتوجهات نخبوية.

فالسعودية عند مجيء الملك سلمان، كانت أمام مفترق طرق، فإما تغيير عميق وجريء يأخذ متغيرات المنطقة ويستجيب لضغوطاتها، وإما المراوحة في المكان ذاته وبالآليات ذاتها، دون الانتباه إلى أن هذه المراوحة ستكون خطرًا كبيرًا، يهدد حاضر المملكة ومستقبلها.

في عهد الملك سلمان اختارت الرياض الطريق الصعب، وغادرت دائرة المراوحة والتردد، وكان أمامها أربعة تحديات كبيرة:

أولها- العمل على تحديث مفهوم الدولة، وبث روح جديدة في مفاصلها، والابتعاد عن الإيقاع البطيء الذي  ظل يدار به الشأن العام عقودًا طويلة، وكذلك العمل على تغيير المناخ الذي تُرسم فيه  السياسات وتتخذ فيه القرارات، وتنتقل عبره الصلاحيات، بما يضمن استخدام الموارد وتوظيفها بالشكل الملائم، وبالكفاءة والفاعلية المطلوبة.

هذا التحدي لم يكن تحديًا سهلًا؛ نظرًا لضخامة الجهاز الحكومي واتساع مدى الخدمات التي يؤديها. فأساليب الإدارة وآليات العمل، أدت -بسبب التردد في القرار، والبطء في التنفيذ- إلى ترهل واسع في مؤسسات الدولة وأجهزتها، وإلى تراجع مستوى الخدمات والمرافق والبنى التحتية بشكل لم تعد معه قادرة على مواجهة استحقاقات المرحلة ومتطلباتها، ولا على مواجهة الفساد الذي استشرى في أكثر من مرفق، وبأكثر من صورة.

ثاني التحديات التي كانت أمام صانع القرار السعودي، الوضع الإقليمي الضاغط الذي كان يشهد متغيرات عديدة ومتسارعة تهدد أمن المملكة وأمن الإقليم؛ وتطلّب ذلك، صياغة معادلة جديدة للأمن الوطني السعودي والأمن الإقليمي.

ولعل مبادرة الملك سلمان، بعد أشهر قليلة من توليه مقاليد الحكم، ببناء تحالف عربي وإقامة علاقات شراكة سياسية وأمنية إستراتيجية في الإقليم؛ والتي توّجت بإطلاق عاصفة الحزم للتصدي للتمدد الإيراني في اليمن، كانت التعبير الأوضح عن تلك المعادلة، مع وجود مظاهر وتعبيرات أخرى لها في الإقليم.

التحدي الثالث، كان مواجهة التطرف الذي حاول اختطاف الدين وتوظيفه في خطاب متشدد لحمته الغلو في الطرح، وسداه العنف في الممارسة، خدمة لأهداف سياسية، أربكت القرار في الداخل، وأحرجته في الخارج وجعلته أسيرًا لرؤية ضيقة أعاقت حركة المجتمع، ومنعته من الاستفادة من موارد مادية، وإمكانيات بشرية عقودًا طويلة، فضلا عما خلّفته تلك الحالة من تأثير سلبي على الصورة العامة للمملكة.

أما رابع التحديات فهو تحدي التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ الذي يتطلب تغيير كل السياسات التي تربط، أو تحصر عجلة التنمية بالدولة، مع ما يعنيه ذلك من تعطل إمكانيات الاستفادة من القطاع الخاص، ومنع استغلال وتنمية قطاعات إنتاجية وخدمية عديدة؛ لا توفر فقط دخلًا ماليًا إضافيًا، ولا تزيد موارد الدولة فحسب؛ بل تكون بطبيعتها قادرة، على تخفيف العبء عن مؤسسات الدولة المثقلة بملايين الموظفين والعاملين كبطالة مقنعة، ونموذج تشغيل خاطئ للباحثين عن فرص عمل من  الشباب والخريجين الجدد.

القرارات الملكية السعودية الأخيرة، قرارات صعبة، بل يمكن أن تكون صادمة للبعض، إلا أن مجرد اتخاذها، والإعلان عنها، يُمثل خطوة كبيرة للأمام، فقد فضحت المسكوت عنه، ورفعت الحصانة عن أوضاع وأشخاص كان الحديث عنهم وتناولهم نوعًا من التابو؛ الذي لا يجري الحديث بشأنه إلا في الغرف المغلقة، وبعيداً عن فضول الإعلام وضوئه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎