د. أحمد بن قاسم الغامدي
د. أحمد بن قاسم الغامدي

خطر الفساد

إن تفشي الفساد في الوظيفة العامة له خطر عام وكبير جدًا، كونه غالبًا ما ينتهي بإسقاط أنظمة الدول، فهو يعزز قوة المتنفذين الفاسدين على حساب المصلحة العامة، فحين يجد أهل الفساد الفرصة في توظيف قدراتهم لإحكام دوائر الفساد، واستغلال سلطتهم لتحقيق مصالحهم الخاصة، لن يترددوا، لما تشبَّعوا به من الشره والجشع مع غياب الرقيب والعقاب.

إن تفشي الفساد يعد فيروسًا لإتلاف الثقة في سلطات الدولة، وآفة لقيمة الوظيفة العامة المتغلغل الفساد وأصحابه في كياناتها.

إن الفساد ليس مجرد خيانة وإخلال بأمانة المال والعمل والقيم، بل هو أحد العوامل الرئيسة لتهديد استقرار الأوطان، وسقوط الحكم فيها، وتقويض التنمية فيها، والإطاحة بالقيم والتنافس المحمود بين أبناء المجتمع في تحقيق طموحاتهم، كونه يؤسس لإحلال عصابات النهب وطرقهم، فيفتك بقيم المجتمعات ويفسدها، وهو أكبر عوامل سقوط ثقة المجتمع بسلطات الدولة وانهيار الحكومات.

توسع الفساد يوجب على الحكومات المهتمة بالإصلاح تحليل مشكلاته بدقة، وتحسين وسائل جمع المعلومات الاستخبارية والبيانات لمحاصرته، وتوسيع دوائر محاربته والقضاء عليه.

إنه حين يتفشى الفساد في الوظيفة العامة، والقطاعات المعنية بالمصالح العامة المدنية، ومشاريع التنمية، والقضاء، والقطاعات العسكرية، يصبح شبكة منظمة، وسلوكًا عامًا له قوة وأعوان، يحاولون الفتك بكل مَن يقف في طريق نهبهم للمال العام.

وسيجد القطاع الخاص أن التعامل مع ذلك الحال واقع اضطراري لا سبيل لمواجهته، فينتهي الأمر عند ذلك بالتواطؤ مع عصابات النهب والسرقة هذه من المتنفذين والمنتفعين لنهب المال العام بشتى الحيل، وستتحول كيانات الدولة من خدمة الصالح العام إلى خدمة أفراد العصابة المتمترسين بالوظيفة العامة، والمتسترين بقوانين يتقنون توظيفها بطرق وحيل ومبررات شتى لسرقة المال العام وابتزاز الناس والتنكيل بمن يعترض طريقهم.

حينها لن يصبح هناك معنى شريف يعتز به الناس في ولائهم لدولتهم، وسيشعر الناس عند ذلك بقذارة السلطة ومرارة الظلم والعجز عن صد ذلك الفساد، وسيرون أن طبقة منهم تثري على حساب بقية المجتمع بغير وجه حق.

عندها يُصاب الناس بالإحباط والاحتقان، لغياب النزاهة، وسقوط العدالة، وظهور الظلم، وعجز الناس عن معالجة تلك المشكلة، وهذا -بلا شك- يُسقط قيمة الحاكم في النفوس، ويتولد عنه اختلال الأمن، ووقوع الصراعات والاضطرابات.

ولذلك، كان توسع الفساد يوجب على الحكومات المهتمة بالإصلاح تحليل مشكلاته بدقة، وتحسين وسائل جمع المعلومات الاستخبارية والبيانات لمحاصرته، وتوسيع دوائر محاربته، والقضاء عليه، وتأسيس مداخل النقد، والمشاركة في الرقابة، والضرب بحزم ويدٍ من حديد على أيدي أرباب الفساد وقنواته، ومعاقبتهم أشد عقاب بلا هوادة ودون أدنى مواربة، حتى يكون ذلك زاجرًا لكل من تسوّل له نفسه الإقدام على شيء من الفساد في الشأن العام.

ومن أهم إستراتيجيات معالجة أسباب الفساد العمل على أن تكون أجور موظفي الخدمة المدنية عادلة، حتى لا يجد الموظفون أنفسهم تحت ضغط تكملة دخولهم بطرق فاسدة هي مناصهم، كما أن توسيع دائرة الشفافية والانفتاح في الإنفاق الحكومي مطلب ضروري، ‏لتقليل فرص وقوع المخالفات والاستغلال، ورفع سقف حرية النقد في الإعلام، والصحافة أحد أهم الروافد التي تساعد على تثقيف المجتمع، وكشف المخالفات، وغلق ثغرات الفساد، وتعزيز المشاركة الوطنية للحد من الفساد.

كما أن القضاء على البيروقراطية التي تصنع دهاليز الفساد والمفسدين، يستدعي التخلص من القوانين والبرامج واللوائح التي تستخدم لتعطيل الإجراءات، وفتح منافذ الفساد.

إن النجاح يقتضي الموازنة بين التحدي والواقعية؛ ومهما كانت الأهداف جامحة يمكن تحقيقها متى كانت واقعية واضحة ومحددة المعالم والخطط.

لقد حققت أتمتة الأعمال عبر تقنيات التكنولوجيا الذكية‏ التي تضمن مستويات كافية من الانفتاح نجاحات كبيرة في القضاء على تسلط عصابات النهب، وتكافؤ الفرص أمام الموردين، وقضت على الخلل في التحصيل والمشتريات العامة، وإرساء العقود والمناقصات، وتقليص السلطة التقديرية البيروقراطية في كل ذلك، وعززت الاتصال المباشر بالمسؤولين لسد الثغرات التي قد تفسح المجال للفساد.

إنه لا يمكن المضي في الحياة بنجاح دون القضاء على الفساد أولًا، ثم وضع أهداف واضحة وخطط وبرامج تفي بتحقيق الأهداف المطلوبة مع المتابعة والمراقبة والمحاسبة، ومَن لم يعبأ بهذا فإنه لن يجني إلا الفوضى والفشل، ولا يصح أن تعلّق الأخطاء على قلة الموارد المادية، في وقت نحتاج فيه قوانين فاعلة، ومؤسسات مدنية، وضمائر حية، مع تشخيص الواقع، وتحديد الطموح، ووضع خطة انتقالية، تلك هي الإستراتيجية الصحيحة للتغيير.

إن نواة التغيير تكمن في صحة الإرادة، وقوة الإدارة كوسيلة نقل فعالة من التمني إلى الإنجاز ومن القول للفعل، وعلينا أن ندرك أن ذلك لن يتحقق مرة واحدة، بل سيأتي نتاج تراكمية المعرفة والخبرة والتجربة والتحديث الواعي، والقراءة الواعية المستدامة لتحولات الحياة، واليقظة المتواصلة، والطموح الوثاب لتجاوز العوائق، بأهداف مرحلية.

والواجب علينا الارتقاء بالمعايير والمقاييس لتحقيق أقصى درجات الجودة والاتقان، وإشعال حماس المنافسة ومواكبة الظروف والأحوال، وتضييق نطاق المستحيل وإقصائه بعيدًا عن العقول والعزائم.

إن النجاح يقتضي الموازنة بين التحدي والواقعية؛ ومهما كانت الأهداف جامحة يمكن تحقيقها متى كانت واقعية واضحة ومحددة المعالم والخطط، ولا يهم مع هذا اختلاف الإستراتيجيات وطرائق العمل بحسب تغير المعايير والقناعات المتأثرة بالتقلبات والتغيرات.

ويجب اتخاذ القرار الصائب بكل حزم وعزم، وتنفيذه بقوة وتحمل النتائج، والالتزام باتخاذ السبل الكفيلة بالوصول للمطلوب، مع ضرورة اعتماد المراجعة المرحلية والرقابة الدائمة لسير العمل صحيحًا، وتجنب الحِيدة عن الأهداف.

إن للعمل عوائق، وللنجاح أعداء، فلا يستسلم ذوو العزائم لتلك العوائق، وألا ينشغلوا بالأعداء، وسيبقى كل ما نقرأه ونسمعه ترفًا علميًا خالصًا ما لم ننقله من حيز التنظير والمعرفة إلى فضاء التطبيق والعمل، حيث المعترك الحقيقي لاختبار فاعلية المخزون المعرفي، والتراكمات الذهنية، والقدرات والكفاءات الجديرة الجادة؛ وعند ذلك فقط يعلم أحدنا حقيقة الأرضية التي يقف عليها، ويبقى الشيء الوحيد الذي يجب ألا يغيب عن الأذهان، هو أننا عندما نبدأ والنهاية في أذهاننا نكون قد وصلنا إلى النهاية مع لحظة البداية.

د. أحمد بن قاسم الغامدي
لا صحة لحد الردة (1)‎‎

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com