إبراهيم حاج عبدي
إبراهيم حاج عبدي

"الاستنساخ الدرامي"..!

على خلاف ما كان يقوله الجاحظ من أن "المعاني مرمية على قارعة الطريق"، فإن صناع الدراما العربية هجروا قارعة الطريق، ووجدوا في مكاتب شركات الإنتاج التركية في إسطنبول وجهة مفضلة للبحث عن المعاني والمواضيع لدراما مستنسخة، بالقلم والمسطرة، عن المسلسلات التركية.

"ستيلتو"، و"الثمن" و"عروس إسطنبول"، و"ع الحلوة والمرة".. هي بعض من العناوين لمسلسلات عربية، اتكأت بالمطلق على مثيلاتها من المسلسلات التركية، وهناك الكثير من المشاريع المماثلة تنتظر التصوير.

تأتي نتائج الاستنساخ الدرامي، عربيا، مخيبة، كما هو الحال في مسلسل ستيلتو، مثلا، الذي يفترض أن أحداثه تجري في لبنان، لكن مهما بحثت في حلقات العمل التسعين لن تجد شيئا يربطه بهذا البلد.

ثمة تقنية فنية تسمى "الاقتباس"، وهي مقبولة وشائعة في فنون الشعوب، وهذا الاقتباس يتطلب تطويع العمل الفني (رواية أو مسلسلا أو فيلما أو مسرحية..) بما يتناسب، شكلا ومضمونا، مع بيئة العمل الجديدة، ضمن شروط فنية وإنتاجية قد تكون نتيجتها صائبة أو خائبة، لكن في الحالتين ثمة اجتهاد فني يستحق التقدير.

لكن في حالة المسلسلات العربية المستنسخة عن التركية، فإن الأمر ليس اقتباسا، كما قد يعتقد البعض، بل هو "نسخ ولصق" حرفي للمناخات والحوارات والمناظر والديكورات والسيناريو وكل ما يتعلق بالعمل الفني باستثناء تغيير طاقم الممثلين الذين ينطقون بالعربية، بدلا من التركية.

السؤال الملحّ الذي يطرح حيال هذه الدراما المستنسخة هو: هل نضبت مخيلة الكتّاب العرب في إنتاج نصوص درامية تحاكي الواقع العربي وتعبر عن همومه وقضاياه وتطلعاته؟ وهل هناك أي قيمة فنية لرسم مستنسخ من لوحات لفان كوخ أو مونيه أو بيكاسو؟

والحال أن الدراما التركية ذاتها لا تعبر، في غالبية أعمالها، عن هموم الشارع التركي ولا تطرح أسئلة جدلية، بل هي دراما مرحة، مسلية وخفيفة تعتمد بالدرجة الأولى على الإبهار البصري، وجماليات الصورة، وهي تأخذ في الغالب طابعا سياحيا دعائيا، إذ تركز على المواقع الأثرية والشواطئ الجميلة والبيوت الفخمة والسيارات الفارهة، مع ممثلين وممثلات بكامل الأناقة..

من هنا، تأتي نتائج الاستنساخ الدرامي، عربيا، مخيبة، كما هو الحال في مسلسل ستيلتو، مثلا، الذي يفترض أن أحداثه تجري في لبنان، لكن مهما بحثت في حلقات العمل التسعين لن تجد شيئا يربطه بهذا البلد.

يحق لصنّاع الدراما العربية المطالبة بتسجيل "براءة اختراع" لمصطلح "الاستنساخ الدرامي"، الذي سيدخل قواميس النقد الفني بوصفه تركيبا لغويا هجينا يكرس الاستسهال والابتذال والإفلاس.

قد تكون هناك أزمة نصوص عربية، لكن ليس إلى الحد الذي يستسلم فيه صناع الدراما على هذا النحو من الاستسهال والاتكال على قصص الغير، فالأرشيف القصصي والروائي العربي زاخر بنصوص تصلح تحويلها إلى مسلسلات وأفلام، وثمة كتاب وأدباء، لا يتسع المجال هنا لذكر أسمائهم، يمكن اللجوء إلى أعمالهم وتحويلها إلى دراما..

لكن يبدو أن الكسل والاندفاع نحو الربح السريع يغريان بالبناء على نجاحات الغير، حتى وإن كانت النتائج الفنية والإبداعية باهتة وخالية من أية لمسة إبداعية أو خصوصية قد تعكس واقع المجتمعات العربية.

وإذا ما غضضنا الطرف عن الأدب العربي المعاصر، ورموزه، فإن التراث السردي العربي مليء بالقصص والحكايا والمرويات، ومسلسل "الزير سالم"، على سبيل المثال، الذي كتبه درامياً الأديب السوري الراحل ممدوح عدوان، معتمدا على الحكاية الشعبية التراثية، لا يزال يحظى بالمشاهدة والاهتمام، وهناك العشرات من الأمثلة عن مسلسلات استلهمت أحداثها من التراث الحكائي العربي، وحققت نجاحا.

ومن المعروف أن الذهنية العربية تميل إلى رواية القصص والإصغاء إليها، وفي تأكيد رمزي لذلك، فإن شهرزاد حمت نفسها من الموت، وأطفأت شهوة القتل لدى شهريار عبر رواية القصص له، حسب ما ورد في العمل السردي الفذ" ألف ليلة وليلة".. الأمر إذاً يتطلب جهدا للتنقيب في هذا التراث السردي الحافل واستخراج الدرر القصصية الثمينة الكامنة فيه..

من الآن فصاعدا، يحق لصناع الدراما العربية المطالبة بتسجيل "براءة اختراع" لمصطلح "الاستنساخ الدرامي"، الذي سيدخل قواميس النقد الفني بوصفه تركيبا لغويا هجينا يكرس الاستسهال والابتذال والإفلاس، فيما القصص المؤلمة والحكايا المؤثرة مرمية على قارعة الطرق في المدن والأرياف العربية..

إبراهيم حاج عبدي
"ستيلتو".. ماراثون درامي عن ثرثرات ومكائد "الجنس اللطيف"

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com