أنجيلا ميركل.. كيف أسهم الإرث العائلي في تكوين شخصية أقوى زعيمة أوروبية؟

أنجيلا ميركل.. كيف أسهم الإرث العائلي في تكوين شخصية أقوى زعيمة أوروبية؟

المصدر: صدوف نويران – إرم نيوز

لم يكن القس هورست كاسنر معروفًا بشكل جيد، لكن اليوم ربما تكون ابنته هي المرأة الأكثر نفوذًا في العالم، مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، التي تسعى للحصول على ولاية رابعة في انتخابات الشهر الجاري.

نادرًا ما ظهر والد ميركل في أحداثها السياسية، إلا أن قصص حكمته ما زالت تحفظها المستشارة.

في زيارة لصحيفة ”واشنطن بوست“ إلى المعهد اللاهوتي الذي كان والد ميركل يشرف عليه، ومقابلات مع الأشخاص الذين يعرفونه واستعراض الملاحظات الخاصة به، والمحاضرات العامة المؤرشفة في برلين، كشفت الصحيفة العالم الخاص الذي نشأت فيه ميركل البالغة من العمر 63 عامًا.

في عام 1954، وهي السنة التي ولدت فيها المستشارة الألمانية، قام والدها بنقل الأسرة عبر الستار الحديدي إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشرقية، ضد تيار من مئات الآلاف الذين يفرون إلى ألمانيا الغربية.

استقرت أسرة القس كاسنر في عام 1957، على حافة  مدينة ”تيمبلين“، الصغيرة في ريف ”براندنبورغ“، حيث  تتدفق الأنهار في طريقها إلى الأراضي الزراعية.

كانت مهمة القس هي بناء ”البروتستانتية الألمانية الشرقية“، وعلى وجه التحديد تقديم الفصل بين الدولة والكنيسة، بناء على تعاليم الكتاب المقدس، التي تقول: ”ما للقيصر للقيصر وما للإله للإله“.

توفي كاسنر في عام 2011، بعد أن أصبحت ابنته أول مستشار ألماني من الشرق بست سنوات، وهي أول امرأة تتقلد هذا المنصب.

قالت ميركل في عام 1991، بعد سنة من انتخابها في البرلمان الألماني كعضو عن حزب ”الاتحاد الديمقراطي المسيحي“ الذي يمثل دائرة انتخابية على ساحل بحر البلطيق: ”لم أشعر أبدًا أن جمهورية ألمانيا الديمقراطية هي وطني الطبيعي، لكني كنت دائمًا استفيد من الفرص التي تقدمها لي“.

دراسة اللاهوت

وأكدت في المقابلات الصحفية على العلاقة الوثيقة مع أمها هيرليند كاسنر، قائلة: إن ”والدها كان مشغولًا بدراسة اللاهوت والتدريس في حلقات دراسية حول مواضيع مثل الله الأب الأم الصديق“.

وأشارت إلى أن ”القس كان يطلب منها وإخوتها الأصغر سنًا، أن يكونوا منظمين ومثاليين“، لافتة إلى أن والدها قال لها في يوم ميلادها الثلاثين، عندما شاهد مسكنها المتواضع في برلين، حيث كانت تعمل كباحثة في أكاديمية العلوم:“أنت لم تتقدمي كثيرًا في الحياة“.

وكانت بدايات ميركل في السياسة مباشرة بعد سقوط ”جدار برلين“، عندما التحقت بحزب  ”الصحوة الديمقراطية“، الذي سرعان ما اندمج مع ”الحزب الديمقراطي المسيحي“.

أما والدتها، التي مُنعت من العمل كمعلمة في ألمانيا الشرقية، انضمت إلى الحزب ”الاشتراكي الديمقراطي“، وشقيقها انضم إلى ”حزب الخضر“.

إلى ذلك، يصعب تحديد القناعات السياسية لوالدها، إذ أمضى القس كاسنر الكثير من وقته في إعادة بناء كنيسة من القرن الثامن عشر، على حافة مدينة ”تيمبلين“ وهي الكنيسة الصغيرة في الغابات.

وكان المسؤولون في الكنيسة ”اللوثرية“ الألمانية الغربية يلقبونه بـ ”كاسنر الأحمر“، بسبب خروجه إلى الشرق.

مبادئ الاشتراكية

زعم والد ميركل أن كونه قسًا ذا جذور غربية له فوائد، خاصة في الجمهورية الديمقراطية الألمانية، بما في ذلك الوصول إلى نصوص المنشقين.

إلا أن هناك زعمًا بأنه كان يؤمن بمبادئ الاشتراكية بعد انحلال الجمهورية الديمقراطية الألمانية، وزعمًا آخر يقول إنه عثر على أساس ديني للمبادئ الشيوعية، لكنه مُني بخيبة الأمل بسبب السياسات التي تفرضها الدولة السوفييتية.

وقال جوبست ريفينستين الذي عمل مع والد ميركل في مركز الكنيسة ومقر إقامة للأشخاص ذوي الإعاقة ”والدهوف“، حيث جاء كاسنر لتدريب المفوضين والمسؤولين الحكوميين في ضواحي مدينة ”تيمبلين“، إنه ”كان يتعاطف مع الأفكار القديمة الحقيقية للاشتراكية كما هو موضح في الكتاب المقدس، وهي أفكار حول المشاركة مع الجيران“.

وفي ”والدهوف“  عاشت ميركل مع عائلتها في غرف في الطابق العلوي من منزل من الجص، كان مشتركًا مع طلاب المعهد اللاهوتي، وكانت  متفوقة في المدرسة، وقضت وقتًا في حدائق ”والدهوف“ وبين سكانها ذي الإعاقة.

ومع اشتداد الحرب الباردة، خشي قادة الكنيسة في الشرق من إجبارهم على الخدمة الإجبارية الشمولية، وفي البداية اعتقدت الكنيسة البروتستانتية التي تضم 80% من السكان الشرقيين، أنها يمكن أن تكون بمثابة حصن محمٍ من الدولة، كما قال ديتليف بولاك الباحث في الدراسات الدينية في جامعة ”مونستر“.

لكن الأخذ بما يوازي العلمانية كتأكيد الاتجاه في نهاية الخمسينيات، في الوقت الذي وصل فيه كاسنر إلى ”تيمبلين“، أضعف سلطة الكنيسة على الشباب، وقال بولاك: ”لقد فازت الحكومة بالصراع على السلطة“.

وزادت التوترات خلال العقد التالي، كما يقول بولاك، لكن في السبعينيات وافق زعماء الكنيسة على أن ”الهدف الرئيسي هو بناء الاشتراكية.“

وقال ريفينستين رئيس سابق لمدرسة ”والدهوف“: إن ”والد ميركل تبنى هذا الهدف نظرًا لأنه ملتزم بالمثُل الاشتراكية“.

وشارك ”كاسنر“ في ”مؤتمر السلام المسيحي“ تحت التأثير السوفييتي في مدينة ”براغ“، فضلًا عن فريق عمل ”ويسينسير“ الذي عرّف الكنيسة البروتستانتية باعتبارها ”الكنيسة الاشتراكية“.

وقال ريفينستين: إن كاسنر جاء لمعارضة الدولة الألمانية الشرقية، التي عملت على طمس النقاش الحر داخل الكنيسة واتبعت نماذج أكثر صرامة للتخطيط الاقتصادي.

التأثير السوفييتي

وفي عام 1989، أوضح أنه مع الاضطرابات التي سرت عبر أوروبا الشرقية، انضم القس كاسنر إلى الاحتجاجات المناهضة للحكومة، واحتل مكاتب الأمن في جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

وقالت جاكلين بويسين، صحافية ألمانية وكاتبة السيرة الذاتية لميركل: ”لقد كان والدها اشتراكيًا، لكنه كان يعلم أن الكثير من الأمور خاطئة“.

وأضافت قائلة: ”حتى مع تمسكه بالاشتراكية، اشتبك كاسنر مع منتقديه، و قدم ميركل لأعمال المنشق الروسي أليكساندر إزيافيتش سولجينتسين، ووقع القس تحت اشتباه الشرطة السرية، الذين حاولوا إجباره على العمل كمخبر، وحاولوا في وقت لاحق تجنيد ميركل“.

وكان أول ظهور للمستشارة في الحملة الانتخابية هذا الصيف في سجن ”ستاسي“ السابق، حيث طالبت الألمان بأن يكونوا قوة من أجل الحرية، وقالت: ”يمكننا فقط تشكيل مستقبل جيد إذا تقبلنا الماضي“.

وفي مذكرات مكتوبة بخط اليد من السبعينيات، تأمل كاسنر في معنى الحياة، مستشهدًا بالفلاسفة مثل أبيقور وماركس، وكتب قائلًا: ”الشخص الذي لم يحصل على هدفه من الطبيعة، يجب أن يذهب ويسعى للعثور عليه وإدراكه، إذا تخلى عن هذه المهمة عندها يتوقف عن كونه إنسانًا.“

ميركل أيضًا، معروفة بكونها عقلانية وأحيانًا غامضة، حيث تقول كاتبة سيرتها عنها: ”يمكن دائمًا مقارنتها مع تمثال أبي الهول في الحفاظ على أسرارها“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com