مدرسة إندونيسية نقطة انطلاق لصغار المقاتلين في داعش إلى سوريا

مدرسة إندونيسية نقطة انطلاق لصغار المقاتلين في داعش إلى سوريا
FILE PHOTO: Oman Rochman, also known as Aman Abdurrahman, a radical Muslim cleric, raises his hands in a holding cell as he waits with other militants for their trial in Jakarta August 26, 2010. REUTERS/Dadang Tri/File Photo

المصدر: رويترز

كان، حتف سيف الرسول في الحادية عشرة من عمره عندما قال لوالده المتشدد المسجون إنه يريد أن يترك الدراسة ويذهب إلى سوريا للقتال في صفوف تنظيم داعش.

ويروي الأب، سيف الأنام، في مقال من 12 ألف كلمة عن ابنه والدين الإسلامي، وتم نشره على الإنترنت، أن ذلك حدث اثناء زيارة الصبي لوالده في سجن يخضع لحراسة مشددة خلال عطلة من مدرسة ابن مسعود الإسلامية الداخلية، في اندونيسيا، وهي أكبر بلد إسلامي من حيث عدد السكان، وأغلب سكانها من المسلمين المعتدلين.

وكتب الأب يقول: “في البداية لم أرد عليه واعتبرتها مزحة من طفل. لكن الأمر اختلف عندما أبدى حتف استعداده مرة تلو المرة”.

وقال حتف لأبيه إن بعض زملائه ومدرسيه في مدرسة ابن مسعود ذهبوا للقتال في صفوف داعش “واستشهدوا هناك”.

ووافق، سيف الأنام، على سفر الابن مشيرا في مقاله أن المدرسة يديرها “رفاق يشاركوننا عقيدتنا”.

وسافر حتف إلى سوريا مع مجموعة من الأقارب في العام 2015 وانضم إلى مجموعة من المقاتلين الفرنسيين. وتحدثت وكالة  “رويترز” مع ثلاثة مسؤولين إندونيسيين يعملون في مجال مكافحة الإرهاب فأكدوا أن الصبي سافر إلى سوريا.

ورغم أن معظم سكانها من المسلمين المعتدلين، شهدت اندونيسيا اتجاها تصاعديا في الآونة الأخيرة في انتشار الأفكار المتشددة، وتعتقد السلطات أن تنظيم داعش له أتباع يتجاوز عددهم 1200 فرد في إندونيسيا في حين أن حوالي 500 إندونيسي سافروا للانضمام إلى صفوف التنظيم في سوريا.

ومن خلال وثائق قضائية وأوراق رسمية ومقابلات مع مسؤولين عن مكافحة الإرهاب ومتشددين سابقين، توصلت الوكالة إلى أن حتف كان واحدا من 12 فردا على الأقل من مدرسة ابن مسعود سافروا إلى الشرق الأوسط للقتال في صفوف داعش أو حاولوا السفر بين العامين 2013 و2016. وكان ثمانية منهم من المدرسين وأربعة من التلاميذ.

وأوضحت شرطة مكافحة الإرهاب ووثائق محاكمات لمتشددين صدرت عليهم أحكام أن 18 شخصا آخر على الأقل تربطهم صلات بالمدرسة أدينوا أو ألقي القبض عليهم بتهم تدبير مؤامرات وشن هجمات في إندونيسيا من بينها ثلاثة من أسوأ الهجمات التي وقعت في البلاد في العشرين شهرا الأخيرة.

ونفى جمادي، المتحدث باسم مدرسة ابن مسعود أن المدرسة تؤيد داعش أو أي من الجماعات الإسلامية المتشددة الأخرى أو يتم فيها تدريس أفكار دينية متشددة تدعو إلى العنف.

وابن مسعود واحدة من حوالي 30 ألف مدرسة إسلامية داخلية تنتشر في مختلف أنحاء إندونيسيا. وأغلب هذه المدارس يعلم التلاميذ الدين الإسلامي وموضوعات أخرى غير أن مسؤولي الشرطة والحكومة في إندونيسيا يقولون إن عددا قليلا منها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة له صلات بالتطرف ويعمل كمراكز للتجنيد.

مدرسة ابن مسعود

بدأت مدرسة ابن مسعود نشاطها قبل حوالي عشر سنوات. وعزا عرفان إدريس رئيس برنامج تغيير الأفكار المتشددة في الوكالة الوطنية المسؤولة عن مكافحة الإرهاب في إندونيسيا عدم اتخاذ إجراءات ضد هذه المدارس إلى ضعف القوانين والبيروقراطية.

وقال: “هي في الأساس ليست مجال عملنا بل وزارة الشؤون الدينية. وقد قلنا للوزارة عندكم مشكلة في ابن مسعود”.

وسئل قمر الدين أمين المدير العام للتعليم الإسلامي بوزارة الشؤون الدينية في إندونيسيا عن الصلات التي تربط المدرسة بالمتطرفين والسبب في عدم إغلاقها فقال إن ابن مسعود لم تسجل نفسها قط كمدرسة إسلامية داخلية.

وأكد جمادي أن المدرسة ليست مسجلة لدى الوزارة. وقال أمين إن الحكومة المحلية “طلبت تفسيرا لوضع الدراسة بالمدرسة لكنها لم تتلق ردا”.

وذكر جمادي أن ما جرى من مناقشات في الآونة الأخيرة مع مسؤولي الحكومة المحلية عما تقوم المدرسة بتدريسه. وقال “ليس لدينا منهج دراسي” وذلك في إشارة إلى التركيز على تحفيظ القران.

وقال “نحن نركز على التحفيظ والحديث. نعلم التلاميذ اللغة العربية والدين وتاريخ الإسلام”.

وأوضح جمادي أن حتف درس في مدرسة ابن مسعود لكنه لا يعلم شيئا عن الظروف التي ترك فيها المدرسة. وقال إنه لا يعلم شيئا عن سفر أي من العاملين أو التلاميذ إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم داعش باستثناء اعتقال ثلاثة مدرسين وتلميذ في سنغافورة العام الماضي.

وقال اثنان من مسؤولي مكافحة الإرهاب أن تلميذا سابقا تم ترحيله من العراق في آب/ أغسطس يدعى مستناه أبلغ الشرطة أن عددا من التلاميذ السابقين في مدرسة ابن مسعود سافروا إلى سوريا.

تقع المدرسة على سفوح جبل “سالاك”، وهو بركان خامل، في قرية “سوكاجايا” على مسافة 90 كيلومترا إلى الجنوب من العاصمة الإندونيسية “جاكرتا”. والمدرسة هي مجمع متداع من الفصول الدراسية وعنابر النوم والمصليات يتسع ما يصل إلى 200 تلميذ من المرحلتين الابتدائية والإعدادية.

ودخل فريق من “رويترز” الى المدرسة في حزيران/ يونيو غير أن المسؤولين لم يسمحوا له بالتجول فيها وطلبوا منه في نهاية الأمر مغادرة المدرسة.

وفي داخل مسجد يشكل جزءا من المجمع، شوهد عدد من الصبية الصغار جالسين في دائرة وممسكين بالمصاحف وهم يبتسمون ويتململون في جلستهم في انتظار دروسهم.

وفي فناء، كانت بنات صغيرات يجرين هنا وهناك، وبدا أن أعمارهن لا تتجاوز الخامسة أو السادسة وهن يرتدين الحجاب.

في سبيل الدين

في مقطع فيديو شاهده فريق الوكالة، وتم سحبه بعد ذلك من موقع “يوتيوب”، يتحدث مدير المدرسة ماسياهادي عن التزام المؤسسة بالسلفية التي تحث أتباعها على الاقتداء بالصحابة والالتزام بالشريعة الإسلامية.

ويقول ماسياهادي في المقطع “تضمن مدرسة ابن مسعود أن ينشغل الأطفال المسلمون بجهود لفهم الدين الفهم الصحيح حتى يصبحوا جيلا يفهم الدين ويحارب في سبيل الدين”.

وسئل جمادي عما إذا كان القتال في سبيل الدين ينطوي على رفع السلاح، فقال: “الأمر يستلزم مزيدا من المناقشة للرد على هذا السؤال” ثم رفض مواصلة الحديث.

وتبين وثائق قدمت في المحكمة أن ابن مسعود تأسست في العام 2007 في “ديبوك”، إحدى ضواحي “جاكرتا” على يد أمان عبدالرحمن، رجل الدين المسجون، وهو من كبار فقهاء الدين الإسلامي في إندونيسيا.

ويذكر سند تأسيس المؤسسة التي تدير مدرسة ابن مسعود، وأسماء ثلاثة أشخاص بين مديريها دخلوا السجن مع عبد الرحمن بتهمة إقامة قاعدة لتدريب المتطرفين في إقليم أتشيه الإندونيسي في العام 2009.

أولاد الإخوان

وقال سفيان تساوري المتطرف السابق: إنه قدم تبرعات للمدرسة وإن المدرسة “لأولاد الإخوان” من أجل الدراسة وإنها تعمل أيضا كمركز لمخابئ الإسلاميين الهاربين من السلطات.

وأوضحت الوثائق القضائية المرتبطة بمحاكمات عبد الرحمن والمديرين الثلاثة للمؤسسة في “أتشيه” أن دولماتين، الذي خصصت السلطات مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار للقبض عليه لدوره في تفجيرات منتجع “بالي” عام 2002 التي سقط فيها 202 قتيل، كان يصلي في مدرسة ابن مسعود أثناء فترة هروبه. وقد قتلت الشرطة دولماتين عام 2010.

وبعد المحاكمات انتقلت مدرسة ابن مسعود من “ديبوك” العام 2010 لكنها واجهت مشاكل في موقعها الحالي أيضا عندما حاول مدرس إشعال النار في حبل من الأعلام رفعه البعض احتفالا بيوم الاستقلال في إندونيسيا الذي يوافق 17 آب/ أغسطس. وأكدت الشرطة وأهل القرية ذلك الحادث.

وقال وحي الدين سوماردي رئيس القرية إن الناس في المنطقة يتشككون فيما يدور في المدرسة من أنشطة.

وقال في تموز/ يوليو: “في كل مرة يقع فيها حادث إرهابي في مكان آخر تأتي السلطات. أنا غير مستريح للوضع كله”.

وبعد شكاوى من القرويين طلبت السلطات المحلية من مدرسة ابن مسعود الانتقال بحلول 17 أيلول/ سبتمبر، غير أن جمادي قال هذا الأسبوع إن المدرسة تتفاوض من أجل البقاء. وأضاف أن المدرسة قد تبحث عن موقع جديد إذا اضطرت للانتقال.

المجاهد الصغير

للمدارس الدينية الداخلية في إندونيسيا جذور عميقة ترجع إلى عدة قرون مضت عندما كانت وسيلة التعليم الأساسية للفقراء وأهل الريف.

وحتى بعد تحديث نظام التعليم واستحداث المدارس العلمانية التي تديريها الدولة احتفظت المدارس الإسلامية الداخلية والغالبية الساحقة منها مدارس خاصة بأهميتها.

وقال أمين المسؤول بوزارة الشؤون الدينية في تموز/ يوليو إن الوزارة تعمل لوضع سياسة جديدة لتوحيد المناهج في المدارس الإسلامية الداخلية وتولي مسؤولية الموافقة عليها. ولم تعلن أي سياسات حتى الآن.

وفي تعليقات مكتوبة، ردا على أسئلة تم توجيهها إليه اثناء جلسة محاكمة في جاكرتا في تموز/ يوليو، قال سيف الأنام والد حتف  إنه فخور بابنه.

وشاهدت الوكالة صورا قال سيف الأنام إنها التقطت في سوريا ونشرها حتف على وسائل التواصل الاجتماعي وفيها ظهر الصبي وهو يتناول الطعام مع رجال أكبر منه سنا وفي إحداها ظهر الصبي وهو يحمل بندقية “كلاشنيكوف” هجومية تكاد تعادل طوله.

وكتب سيف الأنام يقول إن حتف أصبح يستطيع فك جميع أجزاء البندقية في 32 ثانية فقط.

وتم تسليم حتف “مسدسا من عيار 9 ملليمترات وقنبلتين يدويتين وسكينا خاصة بالقوات الخاصة وبوصلة”.

وبحسب رواية الوالد، نقلا عن رسائل من الابن، نجا حتف من غارة جوية طار فيها في الهواء من شدة الانفجار ولم يصب سوى بجرح في الأذن وفقد السمع.

وفي الأول من أيلول/ سبتمبر 2016 وقبل شهرين من بلوغه الثالثة عشرة، أصيب حتف في غارة جوية ثانية. وفي أعقاب الغارة أعلن داعش مقتل ثلاثة إندونيسيين بالقرب من مدينة “جرابلس” السورية.

وكتب سيف الأنام يقول في مقاله إن “المجاهد الصغير البشوش” قضى نحبه وإن جسده النحيل انسحق من جراء انفجار القنبلة.

وقال سيف الأنام في الملاحظات التي قدمها خلال جلسة المحاكمة “لا أشعر بالحزن أو الفقدان باستثناء حزن محدود كأب رحل عنه ابنه الحبيب. بل إنني شعرت بالفرح لأن ابني نال الشهادة إن شاء الله”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع